وقف على كيله أو وزنه، والأصل ما ذكرنا، فجعل النمريّ يشرب نصيبه، فإذا أخذ كعب نصيبه قال: اسق أخاك النمريّ فيؤثره حتى جهد كعب [1] ورفعت له أعلام الماء، فقيل له رد كعب ولا ورود به، فمات [2] عطشا ففي ذلك يقول أبو دواد الإياديّ:
أوفى على الماء كعب ثم قيل له ... رد كعب إنك ورّاد فما وردا
فضرب به المثل [3] فقال جرير في كلمته التي مدح فيها عمر بن عبد العزيز:
يعود الفضل منك على قريش ... وتفرج عنهم الكرب الشدادا
وقد أمّنت وحشهم برفق ... ويعيي الناس وحشك أن تصادا
وتبني المجد يا عمر بن ليلى ... وتكفي الممحل [4] السنة الجمادا
وتدعو الله مجتهدا ليرضى ... وتذكر في رعيّتك المعادا
وما كعب بن مامة وابن سعدى ... بأجود منك يا عمر الجوادا
تعوّد صالح الاخلاق إني ... رأيت المرء يلزم ما استعادا
هذا كعب بن مامة الذي ذكرناه. وأما ابن سعدى فهو أوس بن حارثة بن لأم الطائيّ، وكان سيدا مقدّما، فوفد هو وحاتم بن عبد الله الطائيّ على عمرو بن هند، وأبوه المنذر بن المنذر بن ماء السماء، فدعا أوسا فقال له:
أأنت أفضل أم حاتم؟ فقال أبيت اللعن لو ملكني حاتم وولدي ولحمتي لوهبنا في غداة واحدة، ثم دعا حاتما فقال له: أنت أفضل أم أوس؟ فقال أبيت
(1) جهد كعب: بالبناء لما لم يسم فاعله والأصل جهده الأمر والمرضى إذا بلغ منه المشقة وقوله اسق أخاك النمري مما جرى مجرى المثل يضرب لكل من طلب الشيء مرارا.
(2) لم يكن له قدره على الورود.
(3) فضرب به المثل في الجود والسخاء فقالوا أجود من كعب بن مامة وكان كعب إذا جاوره رجل فمات وداه وإذا مات له بعير أو شاه أخلف عليه.
(4) الممحل: المجدب، والسنة الجماد التي لم ينزل فيها مطر فتكون محظ وجدب.