قال بعض الحكماء: من أدّب ولده صغيرا سرّ به كبيرا، وكان يقال: من أدّب ولده أرغم حاسده، وقال رجل لعبد الملك بن مروان: إني أريد أن أسرّ إليك شيئا. فقال عبد الملك لأصحابه: إذا شئتم. فنهضوا فأراد الرجل الكلام فقال له عبد الملك: لا تمدحني فأنا أعلم بنفسي منك ولا تكذبني فإنه لا رأى لمكذوب ولا تغتب عندي أحدا، فقال الرجل: يا أمير المؤمنين أفتأذن لي بالانصراف، قال لخ: إذا شئت. وقال بعض الحكماء: ثلاث لا غربة معهنّ:
مجانبة الريب [1] وحسن الأدب وكفّ الاذى. وقال عمرو بن العاصي لدهقان [2] نهر تيرى: بم ينبل الرجل عندكم؟ فقال: بترك الكذب فإنه لا يشرف إلا من يوثق بقوله، وبقيامه بأمر أهله فأنه لا ينبل من يحتاج أهله إلى غيره، وبمجانبة الريب فإنه لا يعزّ من لا يؤمن أن يصادف على سوأة، وبالقيام بحاجات الناس فإنه من رجي الفرج لديه كثرت غاشيته. وقال بزرجمهر:
من كثر أدبه كثر شرفه وإن كان قبل وضيعا وبعد صيته وإن كان خاملا وساد وإن كان غريبا وكثرت الحاجة إليه وإن كان مقترا، وكان يقال: عليكم بالأدب فإنه صاحب في السفر ومؤنس في الوحدة وجمال في المحفل وسبب إلى طلب الحاجة. وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: من أفضل ما أعطيته العرب الأبيات يقدّمها الرجل أمام حاجته فيستعطف بها الكريم ويستنزل بها
(1) الريب: الشك.
(2) دهقان: زعيم ملاحي العجم.