فهرس الكتاب

الصفحة 862 من 949

تأبى ذلك قتلى لم تجّنّ [1] وقروح لم تتقرّف ونحن والقوم على حالة، وهم يرقبون منا حالات إن طمعوا حاربوا وإن ملوا وقفوا وإن يئسوا انصرفوا، وعلينا أن نقاتلهم إذا قاتلوا ونتحرّز إذا وقفوا، ونطلب إذا هربوا، فإن تركتني والرأي كان القرن مقصوما، والداء بإذن الله محسوما، وإن أعجلتني لم أطعك ولم أعص وجعلت وجهي إلى بابك، وإنا أعوذ بالله من سخط الله ومقت الناس.

ولما اشتد الحصار على عبد ربه، قال لأصحابه: لا تفتقروا إلى من ذهب عنكم من الرجال، فإن المسلم لا يفتقر مع الإسلام إلى غيره، والمسلم إذا صح توحيده عزّ بربّه، وقد أراحكم الله من غلظة قطريّ وعجلة صالح بن مخراق ونخوته، واختلاط عبيدة بن هلال ووكلكم إلى بصائركم، فالقوا عدوّكم بصبر ونية، وانتقلوا عن منزلكم هذا. من قتل منكم قتل شهيدا، ومن سلم من القتل فهو المحروم. وقدم في هذا الوقت على المهلّب عبيد بن أبي ربيعة بن أبي الصلت الثقفيّ يستحثّه بالقتال، ومعه أمينان، فقال له: خالفت وصية الأمير واثرت المدافعة والمطاولة، فقال له المهلب: ما تركت جهدا.

فلما كان العشيّ خرج الأزارقة، وقد حملوا حرمهم وأموالهم وخفّ متاعهم لينتقلوا، فقال المهلّب لأصحابه: الزموا مصافّكم وأشرعوا رماحكم ودعوهم والذهاب. فقال له عبيد: هذا لعمري أيسر عليك، فقال للناس: ردّوهم عن وجهتهم، وقال لبنيه: تفرّقوا في الناس. وقال لعبيد بن أبي ربيعة: كن مع يزيد فخذه بالمحاربة أشد الأخذ. وقال لأحد الأمينين: كن مع المغيرة ولا ترخّص له في الفتور. فاقتتلوا قتالا شديدا حتى عقرت الدواب، وصرع الفرسان، وقتلت الرجال، فجعلت الخوارج تقاتل على القدح يؤخذ منها والسوط والعلق [2] الخسيس أشدّ قتال، وسقط رمح لرجل من مراد من

(1) لم تجن: لم تستر ولم تدفن.

(2) العلق بالكسر وبفتح الحراب أو الترس أو السيف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت