نرى رجلا يرفعه الال [1] ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كن أبا خيثمة فكان هو. وإذا انبسطت الشمس فهو الضحى، مقصور، فإذا امتد النهار وبينهما مقدار ساعة أو نحو ذلك فذلك الضحاء، ممدود مفتوح الأول. وذكرت الرواة أن الحجاج أتي بامرأة من الخوارج وبحضرته يزيد بن أبي مسلم مولاه، وكان يستسرّ برأي الخوارج، فكلّم الحجاج المرأة فأعرضت عنه، فقال لها يزيد بن أبي مسلم الأمير: ويلك يكلمك فقالت: بل الويل والله لك يا فاسق الرديّ.
والردّيّ عند الخوارج هو الذي يعلم الحق من قولهم ويكتمه.
وذكروا أن عبد الملك بن مروان أتي برجل منهم فبحثه فرأى منه ما شاء فهما وعلما، ثم بحثه فرأى ما شاء أربا ودهيا [2] ، فرغب فيه واستدعاه إلى الرجوع عن مذهبه، فراه مستبصرا محقّقا فزاده في الإستدعاء، فقال له:
لتعنك الأولى عن الثانية وقد قلت فسمعت فاسمع أقل. قال له: قل. فجعل يبسط له من قول الخوارج ويزيّن له من مذهبهم بلسان طلق وألفاظ بيّنة ومعان قريبة. فقال عبد الملك بعد ذلك على معرفته: لقد كاد يوقع في خاطري، أن الجنة خلقت لهم وأني أولى بالجهاد منهم. ثم رجعت إلى ما ثبّت الله عليّ من الحجة وقرّر في قلبي من الحق. فقلت له: لله الآخرة والدنيا وقد سلطني الله في الدنيا، ومكّن لنا فيها وأراك لست تجيب بالقول! والله لأقتلنّك إن لم تطع. فأنا في ذلك إذ دخل علي بابني مروان.
(قال أبو العباس) : كان مروان أخا يزيد لامه أمّهما عاتكة بنت يزيد بن معاوية، وكان أبيّا عزيز النفس فدخل به في هذا الوقت على عبد الملك باكيا لضرب المؤدّب إياه، فشقّ ذلك على عبد الملك فأقبل عليه الخارجي. فقال له: دعه يبك فإنه أرحب لشدقه وأصحّ وأذهب لصوته، وأحرى ألاتأبى عليه عينه إذا حضرته طاعة ربه، فاستدعى عبرتها. فأعجب ذلك من قوله عبد
(1) الال: خاص بما يكون في أول النهار.
(2) الدهى والدهاء النكر وجودة الرأي.