الكوفة) كجابية السيح تريد النهر الذي يجري على جابيته فماؤها لا ينقطع لأن النهر يمدّه.
ومثل قول البصريين في ما ذكروا به العراقيّ الشيخ قول الشاعر (قال أبو الحسن هو ذو الرمّة) :
لها [1] ذنب ضاف ودفرى [2] أسيلة ... وخدّ كمراة الغريبة أسجح [3]
يقول: إن الغريبة لا ناصح لها في وجهها لبعدها عن أهلها، فمراتها أبدا مجلوّة لفرط حاجتها إليها، وتصديق ما فسرناه من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يريد الصدق في المنطق والقصد، وترك ما لا يحتاج إليه، قوله لجرير بن عبد الله البجليّ: يا جرير إذا قلت فأوجز، وإذا بلغت حاجتك فلا تتكلف.
قال أبو العباس): ومما يؤثر [4] من حكيم الأخبار وبارع الاداب ما حدّثنا به عن عبد الرحمن بن عوف، وهو أنه قال دخلت يوما على أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه في علّته التي مات فيها، فقلت له أراك بارئا [5] يا خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أما أنّي على ذلك لشديد الوجع، ولما لقيت منكم يا معشر المهاجرين أشدّ عليّ من وجعي، إني ولّيت أموركم خيركم في نفسي فكلّكم ورم أنفه [6] أن يكون له الأمر من دونه، والله لتتّخذنّ نضائد
يكن فيه موضع زيادة، يصفه بالكرم والجود والسخاء.
(1) لها: الضمير للفرس، وذنب ضاف سابغ كثير الشعر.
(2) الذفري: بالكسر من جميع الحيوان، هي العظم الشاخص، خلق الأذن والجمع ذفارى والاسيل والاملس المستوي وقد أسل ككرم.
(3) الأسجح: الحسن المعتدل، يصفها بجمال الخلق وحسن الوصف وشبه خدها بمراة الغريبة في الملاسة والصفاء.
(4) يؤثر: يعرف يتداول.
(5) بارئا: اسم فاعل من برء: أي شافيا.
(6) ورم أنقه: غضب والمراد بالأمر أمر الخلافة وأراد بخيرهم في نفسه عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول إني اخترت أن أولي عليكم من هو خيركم في ظني وعقيدتي فكل واحد منكم معاشر المهاجرين غضب أن يكون لعمر الأمر من دونه، فهذا هو الذي كان أشد على أبي بكر في وجعه.