ويروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من كان امنا في سربه، معافى في بدنه، عنده قوت يومه كان كمن حيزت [1] له الدنيا بحذافيرها [2] (كذا وقعت الرواية بفتح السين عن أبي العباس والصواب كسرها وإنما السرب بفتح السين المال الراعي) قوله صلى الله عليه وسلم في سربه يقول في مسلكه يقال فلان واسع السرب وخليّ السرب يريد المسالك والمذاهب، وإنما هو متل مضروب للصدر والقلب يقال حلّ سربه أي طريقه حتى يذهب حيث شاء ويقال ذلك للابل لأنها تنسرب في الطرقات، ويقال: سرّب عليّ الابل، أي أرسلها شيئا بعد شيء فإذا قلت سرب بكسر السين فإنما هو قطيع من ظباء، أو بقر أو شاء، أو نساء، أو قطا، قال امرؤ القيس:
فعنّ لنا سرب كأنّ نعاجه ... عذارى دوار في الملأ المذيّل
دوار تسك ينسكون عنده في الجاهلية ودوّار ما استدار من الرمل ودوّار سجن اليمامة. قال بعض اللّصوص (واسمه جحدر) :
كانت منازلنا التي كنا بها ... شتّى فألّف بيننا دوّار
وقال عمر بن أبي ربيعة:
فلم تر عيني مثل سرب رأيته ... خرجن علينا من زقاق ابن واقف
وكان الحسن يقول ليس العجب ممن عطب كيف عطب إنما العجب ممن نجا كيف نجا، وكان الحجّاج بن يوسف يقول على المنبر: أيها الناس اقدعوا هذه الأنفس فإنها أسأل شيء إذا أعطيت، وامنع شيء إذا سئلت فرحم الله امرأ جعل لنفسه خطاما [3] وزماما فقادها بخطامها إلى طاعة الله، وعطفها بزمامها عن معصية الله، فإني رأيت الصّبر عن محارم الله أيسر من الصبر
(1) حيزت: من حوز وهو جمع.
(2) حذافيرها: جوانبها.
(3) خطام: ما يوضع في أنف البعير ليقاد به.