راحت بستّين وسقا [1] في حقيبتها ... ما حملت حملها الأدنى ولا السّندا
فإنما أراد ما يوجب ستين وسقا لا أن الناقة حملت ستين وسقا.
وكان من حديث ذلك أن أبا وجزة السلميّ المعروف بالسعديّ لنزوله فيهم ومخالفته إياهم، كان شخص إلى المدينة يريد ال الزبير، وشخص أبو زيد الأسلميّ يريد ابراهيم بن هشام بن اسمعيل بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم وهو والي المدينة، فاصطحبا فقال: أبو وجزة: هلمّ فلنشترك في ما نصيبه. فقال أبو زيد الأسلميّ: كلّا أنا أمدح الملوك وأنت تمدح السّوق [2] . فلما دخلا المدينة صار أبو زيد إلى ابراهيم بن هشام فأنشده: يا ابن هشام يا أخا الكرام، فقال ابراهيم: وإنما أنا أخوهم وكأني لست منهم.
ثم أمر به فضرب بالسياط. وامتدح أبو وجزة ال الزبير فكتبوا إليه بستين وسقا من تمر وقالوا: هي لك عندنا في كلّ سنة. فانصرفا فقال أبو زيد:
مدحت عروقا [3] للندى مصّت الثرى ... حديثا فلم تهمم بأن تتزعزعا
نقائذ بؤس ذاقت الفقر والغنى ... وحلّبت الأيام والدهر أضرعا
سقاها ذوو الأرحام [4] سجلا على الظما ... وقد كربت أعناقها أن تقطّعا
بفضل سجال [5] لو سقوا من مشى بها ... على الأرض أرواهم جميعا وأشبعا
(1) الوسق بفتح الواو: ستون صاعا أو حمل بعير.
(2) السوق: جمع سوقة بالضم ومعناها الرعية أو الجمع.
(3) العروق: جمع عرق بالكسر وكأنه أراد به الأرض الملح التي لا تنبت شيئا واستعاره لهم ذما وهجاء والثرى الندى الساقط من السماء استعارة للغني وكثرة المال.
(4) ذوو الأرحام: قصد بهم «بنو أمية» وكان إبراهيم بن هشام خال هشام بن عبد الملك بن مروان وهما من ملوك بني أمية، قد أدركا أقاربهما من بني مخزوم فأنقذوهم من الفقر وأفضلوا عليهم بالغنى بعد أن كادت أعانقهم تقطع من البؤس والفاقة.
(5) سجال: بفتح السين وهي الدلو العظيمة مملوءة واستعمال ذلك ورد هنا كناية على ما أفضلوا به عليهم.