وانكشف الخوارج والأمر للمهلّب عليهم وقد كثر فيهم القتل والجراح،
وقد كان الحجاج في كل يوم يتفقد العصاة ويوجّه الرجال، فكان يحبسهم نهارا ويفتح الحبس ليلا فينسل الناس إلى ناحية المهلّب وكأنّ الحجاج لا يعلم، فإذا رأى إسراعهم تمثّل:
إنّ لها لسائقا عشنزرا ... إذا ونين [1] ونية تغشمرا
العشنزر الصلب، والتغشمر ركوب الرأس، والمتغشمر الجادّ على ما خيّلت. وكتب إلى المهلّب من قبل الوقعة: أما بعد، فإنه بلغني أنك أقبلت على جباية الخراج، وتركت قتال العدوّ، وإني ولّيتك وأنا أرى مكان عبد الله بن حكيم المجاشعيّ وعبّاد بن حصين الحبطيّ، واخترتك وأنت من أهل عمان، ثم رجل من الأزد فالقهم يوم كذا في مكان كذا، وإلا أشرعت إليك صدر الرمح. فشاور بنيه، فقالوا: إنه أمير فلا تغلط عليه في الجواب.
فكتب إليه المهلّب: ورد عليّ كتابك، تزعم أني أقبلت على جباية الخراج وتركت قتال العدوّ، ومن عجز عن جباية الخراج فهو عن قتال العدو أعجز، وزعمت أنك وليتني وأنت ترى مكان عبد الله بن حكيم المجاشعي وعباد بن حصين الحبطي، ولو وليتهم لكانا مستحقين لذلك في فضلهما وغنائها وبطشهما، واخترتني وأنا رجل من الأزد، ولعمري إن شرا من الأزد كقبيلة تنازعها ثلاث قبائل لم تستقر في واحدة منهن، وزعمت أني إن لم ألقهم في يوم كذا في مكان كذا أشرعت [2] إليّ صدر الرمح، فلو فعلت لقلبت إليك ظهر المجنّ [3] والسلام. ثم كانت الوقعة، فلما انصرف الخوارج قال المهلّب لابنه المغيرة: إني أخاف البيات على بني تميم، فانهض إليهم فكن
(1) ونين: قصرن.
(2) أشرعت: وجهت نحوك.
(3) هذه كلمة تضرب مثلا لمن كان لصاحبه على مودة أو رعاية ثم حال عن ذلك، والمجن الترس لا يواري حامله والميم زائدة.