فيهم، فأتاهم المغيرة، فقال له الحريش بن هلال: يا أبا حاتم، أيخاف الأمير أن يؤتى من ناحيتنا، قل له فليبت امنا فإنا كافوه ما قبلنا إن شاء الله. فلما انتصف الليل وقد رجع المغيرة إلى أبيه سرى صالح بن مخراق في القوم الذين أعدهّم إلى ناحية بني تميم، ومعه عبيدة بن هلال، وهو يقول:
إنّي لمذك [1] للشراة نارها ... ومانع ممن أتاها دارها
وغاسل بالطعن عنها عارها
فوجد بني تميم أيقاظا متحارسين، فخرج إليهم الحريش بن هلال، وهو يقول:
لقد وجدتم وقرا أنجادا ... لا كثفا ميلا ولا أوغادا [2]
هيهات لا تلفوننا رقّادا ... لا بل إذا صيح بنا اسادا [3]
ثم حمل على القوم فرجعوا عنه، فاتبعهم وصاح بهم: إلى أين يا كلاب النار؟ فقالوا: إنما أعدّت النار لك ولأصحابك. فقال الحريش: كل مملوك لي حرّ، إن لم تدخلوا النار إن دخلها مجوسيّ في ما بين سفوان وخرسان.
قوله: وجدتم وقرا، جمع وقور. والنجد ضد البليد، وهو المتيقظ الذي لا كسل عنده ولا فتور. والأميل فيه قولان، قالوا: الذي لا يستقر على الدابة، وقالوا: هو الذي لا سيف معه. والأكشف الذي لا ترس معه. والأجمّ الذي لا رمح معه، والحاسر الذي لا درع عليه، والأعزل الذي لا يتقوم على ظهر الدابة، والوغد الضعيف. ثم قال بعضهم لبعض نأتي عسر بن محنف فإنه لا خندق عليهم، وقد تعب فرسانهم اليوم مع المهلّب، وقد زعموا أنا أهون عليهم من ضرطة جمل فأتوهم. فلم يشعر ابن محنف وأصحابه بهم إلا وقد خالطوهم في عسكرهم، وكان ابن مخنف شريفا، يقول رجل من غامد [4]
(1) مذك: من أذكى النار، أوقدها.
(2) أوغاد: انذال.
(3) اساد: جمع أسد.
(4) غامد: أبو قبيلة عمر بن عبد الله لقب به لإصلاحه أمرا كان بين قومه.