ثم كتب الحجاج إلى المهلّب: أما بعد، فإن بشرا رحمه الله استكره نفسه عليك وأراك غناءه عنك، وأنا أريك حاجتي إليك فأرني الجدّ في قتال عدوّك، ومن خفته على المعصية ممن قبلك فاقتله فإني قاتل من قبلي، ومن كان عندي من وليّ من هرب عنك فأعلمني مكانه فإني أرى أن اخذ الوليّ بالوليّ، والسميّ بالسميّ. فكتب إليه المهلّب: ليس قبلي إلا مطيع وإن الناس إذا خافوا العقوبة كبّروا الذنب وإذا أمنوا العقوبة صغّروا الذنب، وإذا يئسوا من العفو أكفرهم ذلك، فهب هؤلاء الذين سميتهم عصاة، فإنما هم فرسان أبطال أرجوا أن يقتل الله بهم العدوّ، ونادم على ذنبه.
فلما رأى المهلب كثرة الناس عليه قال: اليوم وقوتل هذا العدوّ ولما رأى ذلك قطريّ قال: انهضوا بنا نريد السردان، فنتحصّن فيها فقال عبيدة بن هلال: أو نأتي سابور. وخرج المهلب في اثارهم فأتى أرّجان وخاف أن يكونوا قد تحصنوا بالسردان، وليست بمدينة ولكن جبال محدقة منيعة، فلم يصب بها أحدا فخرج نحوهم فعسكر بكازرون واستعدّوا لقتاله، وخندق على نفسه. ثم وجّه إلى عبد الرحمن بن محنف خندق على نفسك، فوجه إليه:
خنادقنا سيوفنا. فوجه إليه المهلب: إني لا امن عليك البيات. فقال ابنه جعفر: ذاك أهون علينا من ضرطة جمل. فأقبل المهلب على ابنه المغيرة فقال: لم يصيبوا الرأي ولم يأخذوا بالوثيقة فلما أصبح القوم غادوه الحرب، فبعث إلى ابن محنف يستمدّه فأمدّه بجماعة وجعل عليهم ابنه جعفرا، فجاؤا وعليهم أقبية بيض جدد فقاتلوا يومئذ حتى عرف مكانهم، وحاربهم المهلب وأبلى بنوه يومئذ كبلاء الكوفيّين أو أشد، ثمّ نظر إلى رئيس منهم يقال له صالح بن مخراق وهو ينتخب قوما من جلّة العسكر حتى بلغوا أربعمائة، فقال لابنه المغيرة: ما يعدّ هؤلاء إلّا للبيات.
وانكشف الخوارج والأمر للمهلّب عليهم وقد كثر فيهم القتل والجراح،
وقد كان الحجاج في كل يوم يتفقد العصاة ويوجّه الرجال، فكان يحبسهم نهارا ويفتح الحبس ليلا فينسل الناس إلى ناحية المهلّب وكأنّ الحجاج لا يعلم، فإذا رأى إسراعهم تمثّل: