تخيّر فإما أن تزور ابن ضابىء ... عميرا وأما أن تزور المهلبا
هما خطّتا خسف نجاؤك منهما ... ركوبك حوليّا من الثلج أشهبا
هما إن أرى الحجاج يعمد سيفه ... يد الدهر حتى يترك الطفل أشيبا
فأضحى لو كانت خرسان دونه ... راها مكان السّوق أو هي أقربا
وهرب سوّار بن المضرّب السعديّ من الحجاج، وقال:
أقاتلي الحجاج إن لم أزر له ... دراب وأترك عند هند فؤاديا
وقد مرت هذه الأبيات. وخرج الناس عن الكوفة، وأتى الحجاج البصرة فكان عليهم أشدّ إلحاحا، وقد كان أتاهم خبره بالكوفة فتحمل الناس قبل قدومه، فأتاه رجل من بني يشكر، وكان شيخا كبيرا أعور، وكان يجعل على عينه العوراء صوفة فكان يلقب ذا الكرسفة فقال: أصلح الله الأمير، إن بي فتقا وقد عذرني بشر وقد رددت العطاء، فقال: إنك عندي لصادق، ثم أمر به فضربت عنقه، ففي ذلك يقول كعب الأشقريّ أو الفرزدق:
لقد ضرب الحجّاج بالمصر ضربة ... تقرقر منها بطن كلّ عريف [1]
ويروى عن ابن ميرة قال: إنا لنتغدّى معه يوما إذ جاء رجل من سليم برجل يقوده، فقال: أصلح الله الأمير ان هذا عاص، فقال له الرجل: أنشدك الله أيها الأمير في دمي، فو الله ما قبضت ديوانا [2] قطّ ولا شهدت عسكرا، وإني لحائك أخذت من تحت الحفّ، فقال: اضربوا عنقه. فلما أحس بالسيف سجد فلحقه السيف وهو ساجد فأمسكنا عن الطعام فأقبل علينا الحجاج، فقال: ما لي أراكم صفرت أيديكم واصفرّت وجوهكم وحدّ نظركم من قتل رجل واحد! إن العاصي يجمع خلالا يخلّ بمركزه وبعصي أميره ويغرّ المسلمين وهو أجير لهم، وإنما يأخذ الاجرة لما يعمل والوالي مخيّر فيه إن شاء قتل، وإن شاء عفا.
(1) العريف بالفتح رئيس القوم والنقيب دون الرئيس.
(2) الديوان في الأصل أهل العطية واستعارة هنا للعطاء.