وإنما كلامها عنده أن تبيّن بما يرى من الاثار فيها من قدم أهلها وحدثان عهدهم. ويروى عن بعض الحكماء أنه قال: هلّا وقفت على المعاهد والجنان. فقلت أيتها الجنان من شقّ أنهارك وغرس أشجارك وجنى ثمارك، فإنها إن لم تجبك حوارا [1] أجابتك اعتبارا. وأهل النظر يقولون في قول الله عز وجل قالتا: {أَتَيْنََا طََائِعِينَ} [2] ، لم يكن كلام إنما فعل عز وجل ما أراد فوجد. قال الراجز:
قد خنّق الحوض [3] وقال قطني [4] ... سلّا رويدا قد ملأت بطني
ولم يكن كلام إنما وجد ذلك فيه، وكذلك قوله:
فقال لي استقدم أمامك إنما ... فكاكك أن تلقى الفرزدق بالمصر
وحدنثي العباس بن الفرج الرياشيّ في إسناد قد ذهب عني أكثره قال:
نزل النعمان بن المنذر ومعه عديّ بن زيد في ظل شجرة مونقة ليلهو النعمان هناك، فقال له عديّ بن زيد: أيها الملك، أبيت اللعن، أتدري ما تقول هذه الشجرة؟ قال: وما الذي تقول؟ قال تقول:
(من رانا فليحدّث نفسه ... أنه موف على قرن [5] زوال
وصروف الدهر لا يبقى لها ... ولما نأتي به صمّ الجبال)
ربّ ركب قد أناخوا حولنا ... يمزجون الخمر بالماء الزلال
(والأباريق عليها فدم ... وجياد الخيل تردي [6] في الجلال
(1) حوارا: الحوار بالفتح. وبكسر الجواب ومراجعة النطق والاعتبار الحالة التي يتوصل بها من معرفة المشاهد إلى ما ليس بمشاهد.
(2) سورة فصلت: الاية 11.
(3) خنق الحوض: وغيره. تخنيقا ملأه.
(4) قطن: بمعنى حسبي.
(5) قرن الزوال: حده كان الحوت سيف وهم على قرنه.
(6) تردى: ترجم الأرض بحوافرها.