وكذلك الأعرابي الذي يقول: (لو ترسل الريح لجئنا قبلها) وقد مضى خبره. وأملح ما قيل في هذا المعنى وأجوده قول امرىء القيس:
وقد أغتدي والطير في وكناتها ... بمنجرد قيد الأوابد هيكل
فجعله للوحش كالقيد. وحدّثت أن رجلا نظر إلى ظبية ترود فقال له أعرابي: أتحب أتن تكون لك؟ قال: نعم، قال: فأعطني أربعة دراهم حتى أردها إليك. ففعل: فخرج يفحص في إثرها فجدّت وجدّ حتى أخذ بقرنيها فجاء بها وهو يقول:
وهي على البعد تلوّي خدّها ... تريغ شدّي [1] وأريغ شدّها
(كيف ترى عدو غلام ردّها)
قال أبو العباس: ومن حلو التشبيه، وقريبه وصريح الكلام قول ذي الرّمّة:
ورمل كأوراك العذارى قطعته ... وقد حلّلته المظلمات الحنادس
الحندس اشتداد الظّلمة، وهو توكيد لها، يقال ليل حندس وليل أليل مظلم. وقال الشمّاخ في صفة الفرس:
مفجّ الحوامي عن نسور كأنها ... نوى القسب ترّت عن جريم ملجلج
قوله: مفج الحوامي، يريد مفرّق الحوامي فالحوامي نواحي الحافر، والنسور واحدها نسر. وهي نكتة في داخل الحافر، ويحمد الفرس إذا صلب ذلك منه، ولذلك شبّه بنوي القسب. وترّت سقطت، والجريم المصروم، والملجلج الذي قد لجلج مضغا في الفم ثم قذف لصلابته. وقوله: مفجّ ليس يريد الذي هو شديد التفرقة ولكن الانفصال عن النّسر، فإنه إن اتسع واستوى
(1) تريغ: تريد البعد.