وأرجو أن يكون اخر هذه النعمة كأولها، والسلام. فكتب إليه القباع: قد قرأت كتابك يا أخا الأزد فرأيتك وقد وهب الله لك شرف الدنيا وعزّها، وذخر لك ثواب الآخرة إن شاء الله وأجرها، ورأيتك أوثق حصون المسلمين، وهادّ أركان المشركين، وأخا السياسة وذا الرياسة فاستدم الله بشكره يتمم عليك نعمه، والسلام. وكتب إليه أهل البصرة يهنؤنه ولم يكتب إليه الأحنف، ولكن قال: أقرؤا عليه السلام وقولوا له أنا لك على ما فارقتك عليه. فلم يزل يقرأ الكتب ويلتمس في أضعافها كتاب الأحنف، فلما لم يره قال لإصحابه: أما كتب إلينا؟ فقال له الرسول: حملني إليك رسالة، وأبلغه، فقال هذه أحبّ إليّ من هذه الكتب.
واجتمعت الخوارج بأرّجان فبايعوا الزبير بن علي وهو من بني سليط بن يربوع من رهط ابن الماحوز فرأى فيهم انكسارا شديدا وضعفا بيّنا فقال لهم:
اجتمعوا فحمد الله وأثنى عليه وصلى على محمد صلى الله عليه وسلم، ثم أقبل عليهم فقال:
إن البلاء للمؤمنين تمحيص وأجر، وهو على الكافرين عقوبة وخزي، وإن يصب منكم أمير المؤمنين فما صار إليه خير مما خلّف، وقد أصبتم منهم مسلم بن عبيس، وربيعا الأجذم، والحجاج ابن باب وحارثة بن بدور، أشجيتم المهلّب وقتلتم أخاه المعارك، والله يقول لإخوانكم من المؤمنين: إن يمسسكم قرح فقد مسّ القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس. فيوم سلّى كان لكم بلاء وتمحيصا، ويوم سولاف كان لهم عقوبة ونكالا فلا تغلبنّ على الشك في حينه والصبر في وقته، وثقوا بأنكم المستخلفون في الأرض، {الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ} [1] ثم تحمّل لمحاربة المهلب فنفحهم المهلب نفحة فرجعوا. فأكمن للمهلب في غمض من غموض الأرض يقرب من عسكره مائة فارس ليغتالوه. فسار المهلب يوما يطوف بعسكره ويفقد سواده فوقف على جبل، فقال: إن من التدبير لهذه المارقة أن تكون قد أكمنت في سفح هذا
(1) سورة هود: الاية 49.