خندق علينا، فخندق المهلّب وأمر بسفنه ففرّغت وأبى خالد أن يفرّغ سفنه، فقال المهلّب لفيروز حصين: صر معنا، فقال: يا أبا سعيد، الحزم ما تقول غير أني أكره أن أفارق أصحابي. قال: فكن بقربنا. قال: أما هذه فنعم. وقد كان عبد الملك كتب إلى بشر بن مروان يأمره أن يمدّ خالدا بجيش أميره عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، ففعل فقدم عليه عبد الرحمن فأقام قطريّ يغاديهم القتال ويراوحهم أربعين يوما، فقال المهلّب لمولى لأبي عيينة: انتبذ إلى ذلك الناوس فبت عليه في كل ليلة، فمتى أحسست خبرا من الخوارج أو حركة أو صهيل خيل فاعجل إلينا. فجاءه ليلة فقال: قد تحرّك القوم، فجلس المهلّب بباب الخندق وأعدّ قطريّ سفنا فيها حطب فأشعلها نارا وأرسلها على سفن خالد، وخرج في أدبارها حتى خالطهم، فجعل لا يمرّ برجل إلا قتله، ولا بداية إلا عقرها، ولا بفسطاط إلا هتكه. فأمر المهلّب يزيد فخرج في مائة فارس فقاتل وأبلى يومئذ، وخرج عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث فأبلى بلاء حسنا.
وخرج فيروز حصين في مواليه فلم يزل يرميهم بالنّشّاب هو من معه، فأثّرا أثرا جميلا فصرع يزيد بن المهلب في الخندق. فأخذ بيده رجل من الأزد، فاستنقذه، فوهب له فيروز حصين عشرة الاف درهم. وأصبح عسكر خالد كأنه حرّة سوداء، فجعل لا يرى إلا قتيلا أو صريعا. فقال للمهلّب: يا أبا سعيد، كدنا نفتضح! فقال: خندق على نفسك فإن لا تفعل عادوا إليك، فقال: اكفني أمر الخندق. فجمع له الأحماس [1] ، فلم يبق شريف إلا عمل فيه، فصاح بهم الخوارج: والله لولا هذا الساحر المزوني لكان الله قد دمّر عليكم، وكانت الخوارج تسمّي المهلّب الساحر لأنهم كانوا يدبرون الأمر فيجدونه قد سبق إلى نفس تدبيرهم. فقال أعشى همدان لابن الأشعث في كلمة طويلة:
ويوم أهوازك لا تنسه ... ليس الثنا والذكر بالداتر
(1) الأحماس: الشجعان.