فهرس الكتاب

الصفحة 861 من 949

ووجّه المهلّب بزيد إلى الحجاج يخبره أنه قد نزل منزل قطري، وإنه مقيم على عبد ربه، ويسأله أن يوجّه في أثر قطري رجلا جلدا في جيش، فسرّ ذلك الحجاج سرورا أظهره.

ثم كتب إلى المهلّب يستحثه مع عبيد بن موهب، وفي الكتاب: أما بعد، فإنك تتراخى عن الحرب حتى يأتيك رسلي فتتراجع بعذرك، وذلك أنك تمسك حتى تبرأ الجراح وتنسى القتلى ويجمّ [1] الناس، ثم تلقاهم فتحتمل منهم مثل ما يحتملون منك من وحشة القتل وألم الجراح، ولو كنت تلقاهم بذلك الجدّ لكان الداء قد حسم والقرن قد قصم، ولعمري ما أنت والقوم سواء، لأن من ورائك رجالا وأمامك أموالا، وليس للقوم إلا ما معهم، ولا يدرك الوجيف [2] بالدبيب [3] ولا الظفر بالتعذير [4] . فقال المهلّب لأصحابه: إن الله عز وجل قد أراحكم من أقران أربعة: قطري بن الفجائة وصالح بن مخراق وعبيدة بن هلال وسعد الطلائع، وإنما بين أيديكم عبد ربّه في خشار [5] من خشار الشيطان، تقتلونهم إن شاء الله. فكانوا يتغادون القتال ويتراوحون فتصيبهم الجراح، ثم يتحاجزون كأنما انصرفوا من مجلس كانوا يتحدثون فيه فيضحك بعضهم إلى بعض، فقال عبيد بن موهب للمهلّب: قد بان عذرك وأنا مخبر الأمير، فكتب المهلّب اليه: أما بعد، فإني لم أعط رسلك على قول الحق أجرا ولم أحتج منهم مع المشاهدة إلى تلقين، ذكرت أني أجمّ القوم ولا بد من راحة يستريح فيها الغالب ويحتال فيها المغلوب، وذكرت أن في ذلك الجمام ما ينسي القتلى وتبرأ منه الجراح، وهيهات أن ينسى ما بيننا وبينهم.

(1) يجم الناس: تستريح وتكثر.

(2) الوجيف: ضرب من السير سريع.

(3) الدبيب ضده: أي ضرب من السير بطيء.

(4) التعذير: التقصير.

(5) خشار بالضم: الرديء من كل شيء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت