فهرس الكتاب

الصفحة 860 من 949

لن يصطلحوا ولكن دعهم فإنهم سيصبرون إلى حال لا يفلحون معها. ثم دسّ رجلا من أصحابه، فقال: رأيت عسكر قطريّ فقل إني لم أزل أرى قطريا يصيب الرأي حتى نزل منزله هذا، فبان خطؤه، أنقيم بين المهلّب وعبد ربّه يغاديه هذا القتال ويراوحه هذا، فنما الكلام إلى قطريّ فقال: صدق، تنحّوا بنا عن هذا الموضع فإن اتّبعنا المهلب قاتلناه وإن أقام على عبد ربه رأيتم فيه ما تحبون، فقال له الصلت بن مرّة: يا أمير المؤمنين إن كنت تريد الله فأقدم على القوم، وإن كنت تريد الدنيا فاعلم أصحابك حتى يستأمنوا، وأنشأ الصلت يقول:

قال للمحلّين قد قرّت عيونكم ... بغرقة القوم والبغضاء والهرب

كنا أناسا على دين فغيّرنا ... طول الجدال وخلط الجدّ باللعب

ما كان إغنى رجالا ضلّ سعيهم ... عن الجدال وأعناهم عن الخطب

أني لأهونكم في الأرض مضطربا [1] ... مالي سوى فرسي والرمح من نشب

ثم قال: أصبح المهلّب يرجو منا ما كنا نطمع فيه منه، فارتحل قطري.

وبلغ ذلك المهلّب فقال لهريم بن عديّ بن أبي طحمة المجاشعي: إني لا امن أن يكون قطري كادنا بترك موضعه، فاذهب فتعرّف الخبر، فمضى هريم في اثني عشر فارسا فلم ير في العسكر إلا عبدا وعجا، فسألهما عن قطري وأصحابه، فقالا: مضوا يرتادون غير هذا المنزل، فرجع هريم إلى المهلّب فأخبره، وفارتحل المهلّب حتى نزل خندق قطري، فجعل يقاتلهم أحيانا بالغداة وأحيانا بالعشي. ففي ذلك يقول رجل من سدوس يقال له المعنق وكان فارسا.

ليت الحرائر بالعراق شهذنا ... ورأيننا بالسفح ذي الأجيال

فنكحن أهل الجزء [2] من فرساننا ... والضاربين جمجم الأبطال

(1) المضطرب: مفتعل من الضرب في الأرض وهو أن يخرج تاجرا أو غازيا والنشب محركا: المال.

(2) الجزء: إسم من قولهم: ما أحزأ منا اليوم أحد كما أجزأ فلان أي فعل فعلا ظهر. أثره وقام مقاما لم يقمه غيره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت