يعدن مريضا هنّ هيجن ما به ... ألا إنّما بعض العوائد دائيا
وفي هذا الباب أشياء كثيرة تأتي في موضعها إن شاء الله تعالى. ومن الإفراط فيه قوله:
فلو أنّ ما أبقيت مني معلّق ... بعود ثمام ما تأوّد عودها
(الثمام نبت ضعيف واحدته ثمامة) وهذا متجاوز كقول القائل:
ويمنعها من أن تطير زمامها. وأحسن الشعر ما قارب فيه القائل إذا شبّه، وأحسن منه ما أصاب به الحقيقة، ونبه فيه بفطنته على ما يخفى عن غيره، وساقه برصف قويّ واختصار قريب. قال قيس بن معاذ:
وأخرج من بين الجلوس لعلّني ... أحدّث عنك النفس في السرّ خاليا
وإني لأستغشي [1] وما بي نعسة ... لعلّ خيالا منك يلقى خياليا
وفي هذا الشعر:
أشوقا ولّما تمض لي غير ليلة ... رويد الهوى [2] حتى يغبّ لياليا
هذا من أجود الكلام وأوضحه معنى، ويستحسن لذي الرمّة قوله في مثل هذا المعنى:
أحبّ المكان القفر من أجل أنني ... به أتغنّى باسمها غير معجم [3]
وأنشدني ابن عائشة لبعض القرشيّين:
وقفوا ثلاث منى بمنزل غبطة ... وهم على غرض [4] هنا لك ما هم
(1) استغشى ثوبه: تغطى به كيلا يسمع ولا يرى يطلب النوم.
(2) رويد الهوى: مصدر مضاف مصغر الرود هو التردد في طلب الشيء يرفق وفعله راد يرود، وقوله حتى يغب الغب في أوراد الابل وهو أن ترد الماء يوما.
(3) غير معجم: يقال أعجم فلان الكلام، ذهب به إلى العجمة يريد غير مكنى عنه.
(4) على غرض: بالتحريك وهو الملال أو الضجر أو الشوف أو المخافة والفعل كفرح.