فأنت أمير الجماعة والمهلّب على أهل البصرة، فقدم عتّاب في إحدى جماديين من سنة ست وسبعين على المهلّب وهو بسابور، وهي من فتوح أهل البصرة، فكان المهلب أمير الناس وعتاب على أصحاب ابن مخنف، والخوارج في أيديهم كرمان، وهم بإزاء المهلب بفارس يحاربونه من جمع النواحي. فوجّه الحجاج إلى المهلب رجلين يستحثّانه مناجزة القوم: أحدهما يقال له زياد بن عبد الرحمن من بني صعصعة، والاخر من ال أبي عقيل جد الحجاج، فضم زيادا إلى ابنه حبيب وضم الثقفيّ إلى يزيد ابنه، وقال لهما خذا يزيد وحبيبا بالمناجزة فغادوا الخوارج فاقتتلوا أشدّ قتال، فقتل زياد بن عبد الرحمن وفقد الثقفيّ. ثم باكروهم في اليوم الثاني، وقد وجد الثقفي فدعا به المهلب ودعا بالغداء فجعل النبل يقع قريبا منهم والثقفيّ يعجب من أمر المهلب، فقال الصلتان العبدي:
ألا يا أصبحاني [1] قبل عوق العوائق ... وقبل اختراط القوم مثل العقائق
غداة حبيب في الحديد يقودنا ... نخوض المنايا في ظلال الخوافق [2]
حرون [3] إذا ما الحرب طار شرارها ... وهاج عجاج الحرب فوق البوارق
فمن مبلغ الحجاج أن أمينه ... زيادا أطاحته رماح الأزارق
قوله: وقبل اختراط القوم مثل العقائق، يعني السيوف، والعقائق جمع عقيقة يقال سيف كأنه عقيقة برق، أي أنه لمعة برق. ويقال إنعقّ البرق إذا تبسم. وللعقيقة مواضع، يقال: فلان بعقيقة الصبى أن بالشعر الذي ولد به لم يحلقه، ويقال: عققت الشيء إن قطعته، ومن ذا فلان يعقّ أبويه. وكذا عققت عن الصبي إذا ذبحت عنه، وقال أعرابي:
(1) الا يا أصبحاني: يا داخلة على محذوف يريد يا صاحبي أصبحاني أي قدما لي صبوحي والفعل كمنع.
(2) الخوافق: أراد بها الرايات التي تخفق وتضطرب.
(3) حرون: بالفتح هي التي إذا استدر جريها وقفت خاص بذرات الحافر واستعاره لمعنى الثبات عند الفزع.