فلو كان سيفي باليمين تباشرت ... ضباب الملا من جمعهم بقتيل [1]
يقول: هؤلاء قوم كانوا يحترشون الضباب، فكلما قتل منهم واحد سرّت بذلك الضباب واستبشرت. وقوله: لا يتأرّى [2] لما في القدر يرقبه، يقول لا ينحبس له، ومن ذا سمي الاريّ لأنه محبس الدابة. وقوله: ولا تراه أمام القوم يقتفر، يقول: لا يسبقهم إلى شيء من الزاد. وقوله: ولا يعضّ على شرسوفه الصفر، الشراسيف أطراف الضلوع، والصفر ههنا حيّة البطن، وله مواضع.
وقوله مهفهف يعني ضامرا، وأهضم الكشحين توكيد له. وقوله: أما يصبك عدو في مباوأة، يقول في وتر يقال: باء فلان بكذا، كما قال مهلهل بؤبشسع كليب، أي هو ثأر بالشّسع والطخية والطخية والطخية ثلاث لغات شدة الظلمة، وكان الذي أصابه هند بن أسماء الحارثيّ، ففي ذلك يقول:
أصبت في حرم منا أخا ثقة ... هند بن أسماء لا يهنىء لك الظفر
يقال: هنأه ذلك وهنأ له، كما تقول: هنيا لك، قال الأخطل:
إلى إمام تغادينا فواضله ... أضفره الله فليهنىء له الظفر
وقوله: وليس فيه إذا عاسرته عسر، مدح شريف مثل قولهم: إذا عزّ أخوك فهن. وإنما هذا فيمن لا يخاف استذلاله بأن يخرج صاحبه عند مساهلته إلى باب الذلّ، فأما من كان كذلك فمعاسرته أحمد ومدافعته أمدح، كما قال جرير:
بشر أبو مروان إن عاسرته ... عسر وعند يساره ميسور
قال أبو العباس: ومن أشعار العرب المشهورة والمتخيّرة في المراثي
(1) فلو كان سيفي: هذا الشاعر يقول لو كان معي سيفي لقتلت هؤلاء القوم وطرحتهم في الفلاة.
الضباب الكريم فتسر بهم وتشبع من لحومهم لأنهم كانوا يحترشونها.
(2) لا يتأرى لما في القدر أي لا يتحراه لعفته وطيب نفسه.