قال أبو العباس: ويروى أن رجلا كان له بنون سبعة. يروي ذلك أبو الحسن المدائنيّ، قال أبو العباس: فاختلف عليّ فيهم، فقال قوم: كانوا تحت حائط، وقال قوم اخرون: بل حلب لهم في علبة، فمجّ فيها أفعى فبعث بها إليهم فشربوها فماتوا جميعا، والرجل يقال له الحرث ابن عبد الله الباهليّ، وهلكت لجار له شاة فجعل يعلن بالبكاء عليها، فقال قائل:
يا أيها الباكي على شاته ... يبكي جهارا غير إسرار
إن الرزيئات وأمثالها ... ما لقي الحرث في الدار
دعا بني [1] معن وإخوانهم ... فكلهم يعدو بمحفار
قال أبو العباس: والمصائب ما عظم منها وما صغر تقع على ضربين، فالحزم التسلّي عما لا يغني الغمّ فيه، والإحتيال لدفع ما يدفع بالحيلة. ومن أحسن القول في هذا المعنى في الإسلام قول عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب عليهم السلام، حين مات ابنه فلم ير منه جزع، فسئل عن ذلك، فقال: أمر كنا نتوقعه، فلما وقع لم ننكره. وفي هذا زيادة تنتظر، وفضل تسليم لقضاء الله عز وجل، والعرب تقول: الحذر أشدّ من الوقيعة. وقال رجل من الحكماء إنما الجزع والإشفاق قبل وقوع الأمر، فإذا وقع فالرضا والتسليم.
ومن هذا قول عمر بن عبد العزيز رحمه الله إذا استأثر الله بشيء فاله عنه، يقال لهيت عن الأمر ألهى إذا أضربت عنه، ولهوت ألهو من اللعب. ومن أقدم ما قيل في هذا المعنى قول أوس بن حجر الأسيديّ، من بني أسيّد بن عمرو بن تميم يرثي فضالة بن كلدة، أحد بني أسد بن خزيمة:
أيتها النفس أجملي جزعا ... إن الذي تحذرين قد وقعا
إن الذي جمّع السماحة وال ... نجدة والحزم والقوى جمعا
(1) دعا بني معن الخ يقول إن الحرث دعا أهل حيه وأهل بلدة من بني معن لينقذوا أولاده فكلهم أتى بالة الحفر وهذا يؤيد من قال إنهم كانوا تحت حائط.