مالك بن مسمع وسمى قوم زياد بن عمرو بن الأشرف العتكيّ فصرفهم. ثم اختبر ما عند مالك وزياد فوجدهما متثاقلين عن ذاك. وعاد إليه من أشار بهما وقالوا: قد رجعنا عن رأينا ما نرى لها إلا المهلب. فوجّه الحرث إليه فأتاه فقال له: يا أبا سعيد قد ترى ما رهقنا من هذا العدوّ، وقد اجتمع أهل مصرك عليك. وقال الأحنف: يا أبا سعيد، إنا والله ما اثرناك بها ولكننا لم نر من يقوم مقامك. فقال له الحرث، وأومأ إلى الاحنف، إن هذا الشيخ لم يسمّك إلّا إيثارا للدين، وكل من في مصرك مادّ عينه إليك راج أن يكشف الله عز وجل هذه الغمّة بك: فقال المهلب: لا حول ولا قوة إلا بالله، إني عند نفسي لدون ما وصفتم ولست ابيا ما دعوتم إليه على شروط أشترطها. قال الأحنف، قل. قال على أن أنتخب من أحببت، قال ذاك لك. قال: ولي إمرة كلّ بلد أغلب عليه، قال: وذاك لك، قال: ولي فيء كلّ بلد أظفر به، قال الأحنف:
ليس ذاك لك ولا لنا إنما هو فيء المسلمين، فإن سلبتهم إياه كنت عليهم كعدوّهم، ولكن لك أن تعطي أصحابك من فيء كل بلد تغلب عليه ما شئت وتنفق على محاربة عدوّك فما فضل عنكم كان للمسلمين. فقال المهلب:
فمن لي بذلك؟ قال الأحنف: نحن وأميرك وجماعة أهل مصرك. قال: قد قبلت. فكتبوا بذلك كتابا ووضع على يدي الصلت بن حريث بن جابر الحنفي. وانتخب المهلّب من جميع الأخماس، فبلغت نخبته إثني عشر ألفا، ونظروا ما في بيت المال فلم يكن إلا مائتي ألف درهم، فعجزت، فبعث المهلّب إلى التجار أن تجارتكم مذ حول قد كسدت عليكم بانقطاع موادّ الأهواز وفارس عنكم فهلمّ فبايعوني وأخرجوا معي أوفّكم إن شاء الله حقوقكم. فتاجروه فأخذ من المال ما يصلح به عسكره واتخذ لأصحابه الخفاتين والرانات المحشوّة بالصوف، ثم نهض وأكثر أصحابه رجّالة حتى إذا صار بحذاء القوم أمر بسفن فأحضرت وأصلحت. فما ارتفع النهار حتى فرغ منها ثم أمر الناس بالعبور إلى الفرات وأمّر عليهم ابنه المغيرة، فخرج الناس.
فلما قاربوا الشاطىء خاضت إليهم الخوارج فحاربهم المغيرة ونضحهم
بالسهام حتى تنحّوا. فصار هو وأصحابه على الشاطىء، فحاربوهم فكشفوهم وشغلوهم حتى عقد المهلّب الجسر وعبر والخوارج منهزمون، فنهى الناس عن إتباعهم، ففي ذلك يقول شاعر من الأزد: