غمار الناس [1] ، وإن لم يكونا منهم لم تحفظوني بسبّ أبي وصاحبه، وأنتم تعلمون أن الله جل وعز قال للمؤمن في أبويه: {وَإِنْ جََاهَدََاكَ عَلى ََ أَنْ تُشْرِكَ بِي مََا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلََا تُطِعْهُمََا وَصََاحِبْهُمََا فِي الدُّنْيََا مَعْرُوفًا} [2] . وقال جل ثناؤه: {وَقُولُوا لِلنََّاسِ حُسْنًا} ، وهذا الذي دعوتم إليه أمر له ما بعده [3] .
وليس يقنعكم إلا التوقيف والتصريح، ولعمري أن ذلك لأحرى بقطع الحجج وأوضح لمنهاج الحق وأولى بأن يعرف كلّ صاحبه من عدوّه. فروحوا إليّ من عشيّتكم هذه أكشف لكم ما أنا عليه إن شاء الله. فلما كان العشيّ راحوا إليه فخرج إليهم وقد لبس سلاحه. فلما رأى ذلك نجده قال: هذا خروج منابذ لكم، فجلس على رفع من الأرض فحمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه صلى الله عليه وسلم، ثم ذكر، أبا بكر وعمر أحسن ثم ذكر عثمان في السنين الأوائل من خلافته، ثم وصلهنّ بالسنين التي أنكروا سيرته فيها فجعلها كالماضية وخبّر أنه يرى الحكم بن أبي العاص بإذن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وذكر الحمى وما كان فيه من الصلاح، وأن القوم استعتبوه [4] من أمور، وكان له أن يفعلها أوّلا مصيبا ثم أعتبهم بعد محسنا. وأن أهل مصر لما أتوه بكتاب ذكروا أنه منه، بعد أن ضمن لهم العتبي. [5] ثم كتب لهم ذلك الكتاب بقتلهم فدفعوا الكتاب إليه، فحلف أنه لم يكتبه ولم يأمر به، وقد أمر بقبول اليمين ممن ليس له مثل سابقته مع ما اجتمع له من صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومكانه من الإمامة، وأن بيعة الرضوان تحت الشجرة إنما كانت بسببه. وعثمان الرجل الذي لزمته يمين لو خلف عليها لحلف على حق فافتداها بمائة ألف، ولم يحلف، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
من حلف بالله فليصدق، ومن حلف له بالله فليرض فعثمان أمير المؤمنين كصاحبيه، وأنا وليّ وليّه وعدوّ عدوّه، وأبي وصاحبه صاحبا رسول الله صلى الله عليه وسلم،
(1) دخلا في غمار الناس: أي في جمعهم المتكاثف.
(2) سورة لقمان: الاية رقم 15.
(3) سورة البقرة: الاية رقم 83.
(4) استعتبوه: طلبوا منه الرجوع عما فعل.
(5) العتبى: أي عاد إلى ما سألوه طالبا رضاهم.