إن جئت لم تأت وإن لم أجىء ... جئت فهذا منك لي داب
كأنما أنت وإن كنت لا ... تكذب في الميعاد كذّاب
وهذا كلام طريف. ومن حسن تشبيه المحدثين قول بشار:
وكأنّ تحت لسانها ... هاروت ينفث فيه سحرا
ونخال ما جمعت علي ... هـ بنانها ذهبا وعطرا
وهذا التشبيه الجامع، ونظيره في جمع شيئين لمعنيين ما ذكرت لك من قول مسلم بن الوليد: (كأن في سرجه بدرا وضرغاما) ومن حسن التشبيه، من قول المحدثين، قول عباس بن الأحنف:
أحرم منكم بما أقول وقد ... نال به العاشقون من عشقوا
صرت كأني ذبالة [1] نصبت ... تضيء للناس وهي تحترق
فهذا حسن في هذا جدّا. ومن حسن ما قالوا قول إسماعيل بن القاسم أبي العتاهية للرّشيد:
أمين الله أمنك خير أمن ... عليك من التقى فيه لباس
تساس من السّماء بكلّ فضل ... وأنت به تسوس كما تساس
كأنّ الخلق ركّب فيه روح ... له جسد وأنت عليه راس
وقد أخذ هذا المعنى علي بن جبلة فقال في مدحه حميد بن عبد الحميد، وزاد في الشرح والترتيب فقال:
يرتق [2] ما يفتق أعداؤه ... وليس يأسو [3] فتقه اسي
فالناس جسم وإمام الهدى ... رأس وأنت العين في الراس
والعرب تختصر في التشبيه، وربما أومأت به إيماء قال أحد الرّجّاز:
(1) الذبالة بالضم الفتيلة للسراج.
(2) يرتق: الرتق ضد الفتق.
(3) يأسو: يداوي.