أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم ... دجى الليل حتى نظّم الجزع ثاقبه
ويروى عن الأصمعي أنه رأى رجلا يختال في أزيّر [1] في يوم قرّ في مشيته فقال له: ممن أنت يا مقرور. فقال أنا ابن الوحيد أمشي الخيزلى [2] ويدفئني حسبي. وقيل لاخر في هذه الحال أما يوجعك البرد؟ فقال: بلى والله ولكني أذكر حسبي فأدفأ. وأصوب منهما قول العريان الذي سئل في يوم قرّعما يجد فقال: ما عليّ منه كبير مؤنة. وقيل وكيف؟ فقال دام بي العري فاعتاد بدني ما تعتاده وجوهكم. ومن التشبيه القاصد الصحيح قول النابغة:
وعيد أبي قابوس [3] في غير كنهه ... أتاني ودوني راكس [4] فالضّواجع [5]
فبتّ كأني ساورتني [6] ضئيلة [7] ... من الرّقش [8] في أنيابها السّمّ ناقع
يسهّد من نوم العشاء سليمها [9] ... لحلي النساء في يديه قعاقع
تناذرها الراقون [10] من سوء سمّها ... تطلّقه طورا وطورا تراجع
فهذه صفة الخائف المهموم. ومثل ذلك قول الاخر:
تبيت الهموم الطارقات يعدنني ... كما تعتري الأوصاب رأس المطلّق
والمطلق هو الذي ذكره النابغة في قوله. (تطلقه طورا وطورا تراجع) وذاك أن المنهوش إذا ألحّ الوجع به تارة وأمسك عنه تارة، فقد قارب أن يوأس من
(1) أزير: مصغر الأزار.
(2) الخيزلى: بالقصر مشية فيها تثاقل وتفكك.
(3) أبو قابوس كنية النعمان بن المنذر ملك العرب.
(4) وراكس: أسم وادي.
(5) الضواجع: اسم موضع.
(6) ساورتني: واثبتني.
(7) الضئيلة: الحية الدقيقة.
(8) الرقش جمع رقشاء: وهي الحية المنقطة بسواد وبياض.
(9) السليم: اللديع.
(10) تناذرها الراقون: انذر بعضهم بعضا وحذره وخوّفه.