بني أسد يجيب الفرزدق:
عجب الفرزدق من فزارة أن رأى ... عنها أميّة بالمشارق تنزع
فلقد رأى عجبا وأحدث بعده ... أمر تضجّ له القلوب وتفزع
بكت المنابر من فزارة شجوها ... فاليوم من قسر تذوب وتجزع
وملوك خندف أسلمونا للعدى ... لله درّ ملوكنا ما تصنع
كانوا كتاركة [1] بنيها جانبا ... سفها وغيرهم تصون وترضع
قال أبو العباس: وكان الفرزدق هجّاء لعمر بن هبيرة عند ولايته العراق.
وفي ذلك يقول ليزيد بن عبد الملك بن مروان:
أمير المؤمنين وأنت برّ ... أمين لست بالطبع الحريص
أأطعمت العراق ورافديه ... فزاريّا أحذّ يد القميص
تفهّق [2] بالعراق أبو المثنّى ... وعلّم قومه أكل الخبيص
ولم يك [3] قبلها راعي مخاض [4] ... ليأمنه على وركي قلوص
قوله: لست بالطبع الحريض فالطّبع الشديد الطّمع الذي لا يفهم لشدة طعمه، وإنما أخذ هذا من طبع السيف يا فتى وهو سيف طبع إذا ركبه الصّدأ حتى يغطّي عليه. والمثل من هذا في الذي طبع على قلبه إنما هو تغطية وحجاب، يقال: طبع الله على قلب فلان كما قال جل وعز: {طَبَعَ اللََّهُ عَلى ََ قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ} [5] هذا الوقف. ثم قال: {وَعَلى ََ أَبْصََارِهِمْ غِشََاوَةٌ} [6] . وكذلك رين على قلبه عين على قلبه فالرين يكون من أشياء
(1) كانوا كتاركة: يريد كالنعامة وذلك أنها إذا حضنت بيض غيرها حضنة ونسيت بيض نفسها يصف بني أمته بالحمق والسفه.
(2) تفهق في العراق: امتد واتسع.
(3) لم يك قبلها: يرمي عمر بن هبيرة بغشيان الإبل.
(4) المخاض: الحوامل من النوق واحدها خلفة بفتح فكسر.
(5) سورة النحل: الاية رقم 108.
(6) سورة البقرة: الاية رقم 7.