قالوه: هريرة ودعها وإن لام لائم، منصوب بفعل مضمر تفسيره ودّعها كأنه قال: ودّع هريرة، فلما اختزل الفعل أظهر ما يدلّ عليه، وكان ذلك أجود من ألايضمر، لأن الأمر لا يكون إلّا بفعل، فأضمر الفعل إذا كان الأمر أحقّ به. وكذلك: يزيدا أضربه، وزيدا فأكرمه. وإن لم تضمر ورفعت جاز وليس في حسن الأول ترفعه على الابتداء وتصيّر الأمر في موضع خبره. فأما قول الله عزّ وجل: {وَالسََّارِقُ وَالسََّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمََا} [1] وكذلك:
{الزََّانِيَةُ وَالزََّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وََاحِدٍ مِنْهُمََا مِائَةَ جَلْدَةٍ} [2] فليس على هذا، والرفع الوجه، لأن معناه الجزاء كقوله: الزانية أي التي تزني، فإنما وجب القطع للسرق والجلد للزنا، فهذا مجازاة. ومن ثم جاز: الذي يأتيني فله درهم، فدخلت الفاء لأنه استحقّ الدرهم بالاتيان. فإن لم ترد هذا المعنى قلت: الذي يأتيني له درهم، ولا يجوز: زيد فله درهم على هذا المعنى.
ولكن لو قلت: زيد فله درهم، على معنى: هذا زيد فله درهم، أو هذا زيد، فحسن جميل جاز على أن زيدا خبر وليس بابتداء، وللإشارة دخلت الفاء.
وفي القران: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوََالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهََارِ سِرًّا وَعَلََانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ} [3] . ودخلت الفاء لأن الثواب دخل للانفاق. وقد قرأت القرّاء:
الزانية والزاني فاجلدوا، والسارق والسارقة فاقطعوا، بالنصب على وجه الأمر والوجه الرفع والنصب حسن في هاتين الايتين، وما لم يكن فيه معنى جزاء فالنصب الوجه
ويروى أن معبدا بلغه أن قتيبة بن مسلم فتح خمس مدائن فقال: لقد غنّيت خمسة أصوات هنّ أشد من فتح المدائن التي فتحها قتيبة بن مسلم.
والأصوات:
ودّع هريرة إن الركب مرتحل ... وهل تطيق وداعا أيها الرجل
(1) سورة المائدة: الاية 38.
(2) سورة النور: الاية 2.
(3) سورة البقرة: الاية 274.