الخير، ويرغب في التقرب إلى الله - جلَّ جلالُه - ، جاز له محبة البقاء لأجل هذه النية، فليقل:
اللهم توفني ما كانت الوفاة خيرا لي، وأحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وما ذاك إلا
أن العيش في دار البرزخ أحسن من العيش في هذه الدار.
ألا ترى أن آدم - عليه السلام - لما خلقه جل ثناؤه وأسكنه الجنة، وأباح له أن يأكل منها
رغدًا حيث شاء إلى هذا، فلم يضمن له العصمة من عدوه ولا من الموت، ولا من
الابتلاء بالأمر والنهي، بل نهاه أن يأكل الشجرة، وأمره ألا يقربها، فواقع المحذور
بالقدر السابق، فأخرجه منها وسجنه في هذه الدنيا، وقيده عن الكون حيث شاء إلا
بقطع المسافات وتجشم المشقات بمزاولة الترحال في تقرب أبعاد الأسفار.
فهذه دار سجن المؤمن، موضوعها: أن يكون سجنًا للعاصين سجَّانها العدو
المكائد إبليس - لعنه الله - وأتباعه من الجن والإنس أعوانه ومَسَالحه لا يسألونه
خبالاً وإضلالاً مما جرَّ إلى ذلك، وما كان جزاء له من المكروهات والمصائب
والفجائع، وتلك عمالة أقطعه إياها خالقه ومالكه الله - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه إلى
يوم الوقت المعلوم، إن الله جعله وأشياعه سببًا وذريعة إلى كل مكروه يكون في
الدارين، وفيما بينهما في هذه بالفعل والكسب، وفيما هنالك جزاء، لكن الرؤوف
الرحيم - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه من وراء عباده المؤمنين يحسن تدبيره لهم، يصير
لهم كل مكروه يصيبهم كفارة من ذنوبهم، وكل عمل له رفعه في درجاتهم،
فمن أعجب العجب عدو محبوب وغاش مركن إليه وسجن مؤمل محروص
عليه، ولقد وصى عباده بأبلغ الوصية ألا يركنوا إلى هذا السجن، وألا يخلدوا إليه
لموضع العقوبة التي بها عاقبهم، وألا يصغوا إلى نداء عدوهم بهوى لو يرضوا
لأنفسهم بالتي هي أدنى، وأن الدواب لتحن إلى أواريها، وإن الإبل لتنقطع إلى
معاطنها.
(بيان)
سبق من حكمة الله - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه تحبيب الأوطان والحنين إلى
محل الكون، ومنبعث ذلك الوجود ولما أراده في إتمام كلمته في البلوى، وإمرار
حكمه بالجزاء لقوم، وإتمام نعمته بالتنبيه لأوليائه، أسس هذه التي عاقبهم باللبث