فيها والحلول في بعد سجنها على مقتضيات أسمائه الحسنى وصفاته العلا،
وأوجدها جمعًا على معاني موجودات الدار التي أخرجهم عنها، المفضية إلى الدار
الآخرة ثوابًا وعقابًا، صيَّر ذلك فيما هَاهُنَا ذكرًا وفتنة.
قال الله - جلَّ جلالُه -: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ(38) مَا خَلَقْنَاهُمَا
إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (39) . فأوجب لكل فريق ما كان
عنه، وما خلق به ومنه، وحنَّ إلى الوطن الذي خرج عنه، فمخطئ في محبته
ومصيب لأجل الابتلاء والمحنة المعارض لهم في السبيل المسلوك بهم إليها.
فأما أهل الفتنة وهم المخطئون لما تألفت لهم شهواتها فأنسوا بها من أجل
لمعان نيرانها؛ إذ أشبهت تلك الدار في معالم وافقت أسماءها وأومأت في ذلك إلى
أشباهها، فخدعتهم بزينتها وأحبوها لذلك، ورضوا بها عجبًا بها(وَزَيَّنَ لَهُمُ
الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ)ا.
(زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ
وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ).
فكان ذلك حظهم من المقصود الحق، فأما أهل الذكر فشاهدوا فيما هنا أشباه
ما هنالك، تعرفوا منها أسماء وصفات للحق المبين فذكروا تلك بهذه، وتشوقوا
إليها لأجل هذه.
منازلاً كت تهواها وتألفها ... أيام كنت على الأيام منصورًا
آخر:
وإني لأهوى الدار لا يستفزني ... لها الود إلا أنها من دياركا
فزهدوا في هذه لوشيك ذهابها وسرعة تقلبها بأهلها، ولما أعلمهم النصوح
الحق الصدوق جلَّ ذكره من سعة تلك وعظمها، وضيق هذه وصغرها فأخذوا
أبصارهم عند ذلك في النظر إلى البون في فضل الدارين.
فما وقعت أعينهم ولا توهمت أوهامهم سوى معاني أسمائه وصفاته في هذه،
وتيقنوا بذلك أيضًا بوجود العلم ما أومأت إليه هذه بشبه لما هنالك، وإن ما أومأت
إليه ونبهت عليه، يدعوهم بذلك إلى نفسها ويشوقهم إليها، ويزهدهم في قليل هذه