وَعَلَى هَذَا فَلَيْسَ الْمُرَادُ: تَمَنُّوهُ لِأَنْفُسِكُمْ خَاصَّةً كَمَا قَالَهُ أَصْحَابُ الْقَوْلَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ. بَلْ مَعْنَاهُ: ادْعُوا بِالْمَوْتِ وَتَمَنُّوهُ لِلْمُبْطِلِ. وَهَذَا أَبْلَغُ فِي إِقَامَةِ الْحُجَّةِ وَبُرْهَانِ الصِّدْقِ، وَأَسْلَمُ مِنْ أَنْ يُعَارِضُوا رَسُولَ اللَّهِ بِقَوْلِهِمْ: فَتَمَنُّوهُ أَنْتُمْ أَيْضًا. إِنْ كُنْتُمْ مُحِقِّينَ أَنَّكُمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ. لِتَقْدَمُوا عَلَى ثَوَابِ اللَّهِ وَكَرَامَتِهِ. وَكَانُوا أَحْرَصَ شَيْءٍ عَلَى مُعَارَضَتِهِ، فَلَوْ فَهِمُوا مِنْهُ مَا ذَكَرَهُ أُولَئِكَ لَعَارَضُوهُ بِمِثْلِهِ.
وَأَيْضًا فَإِنَّا نُشَاهِدُ كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَمَنَّى الْمَوْتَ لِضُرِّهِ وَبَلَائِهِ، وَشِدَّةِ حَالِهِ. وَيَدْعُو بِهِ. وَهَذَا بِخِلَافِ تَمَنِّيهِ وَالدُّعَاءِ بِهِ عَلَى الْفِرْقَةِ الْكَاذِبَةِ. فَإِنَّ هَذَا لَا يَكُونُ أَبَدًا. وَلَا وَقَعَ مِنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلْبَتَّةَ. وَذَلِكَ لِعِلْمِهِمْ بِصِحَّةِ نُبُوَّتِهِ وَصِدْقِهِ، وَكُفْرِهِمْ بِهِ حَسَدًا وَبَغْيًا. فَلَا يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا. لِعِلْمِهِمْ أَنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ.
وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الَّذِي نَخْتَارُهُ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا أَرَادَ مِنْ كِتَابِهِ.
وقال في (بدائع الفوائد)
وفي ضمن هذه المناظرة معجزة باهرة للنبي وهي أنه في مقام المناظرة مع الخصوم الذين هم أحرص الناس على عداوته وتكذيبه وهو يخبرهم خبرا جزما أنهم لن يتمنوا الموت أبدا ولو علموا من نفوسهم أنهم يتمونه لوجدوا طريقا إلى الرد عليه بل ذلوا وغلبوا وعلموا صحة قوله وإنما منعهم من تمنى الموت معرفته بما لهم عند الله تعالى من الخزي والعذاب الأليم بكفرهم بالأنبياء وقتلهم لهم وعداوتهم لرسول الله.
فإن قيل فهلا أظهروا التمني وإن كانوا كاذبين فقالوا فنحن نتمناه؟
قيل وهذا أيضا معجزة أخرى وهي أن الله تعالى حبس عن تمنيه قلوبهم وألسنتهم فلم ترده قلوبهم ولم تنطق به ألسنتهم تصديقا لقوله: {وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً} . انتهى انتهى {مصباح التفاسير، لابن القيم} ...