يَعْنِي جَلَّ ذِكْرُهُ: وَيُرِيكُمْ اللَّهُ أَيُّهَا الْكَافِرُونَ الْمُكَذِّبُونَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مِنْ آيَاتِهِ، وَآيَاتُهُ: أَعْلَامُهُ وَحُجَجُهُ الدَّالَّةُ عَلَى نُبُوَّتِهِ، لِتَعْقِلُوا وَتَفْهَمُوا أَنَّهُ مُحِقٌّ صَادِقٌ فَتُؤْمِنُوا بِهِ وَتَتَّبِعُوهُ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (74) }
يَعْنِي بِذَلِكَ كُفَّارَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَهُمْ فِيمَا ذُكِرَ بَنُو أَخِي الْمَقْتُولِ، فَقَالَ لَهُمْ: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ: أَيْ جَفَّتْ وَغَلُظَتْ وَعَسَّتْ، كَمَا قَالَ الرَّاجِزُ:
[البحر الرجز]
وَقَدْ قَسَوْتُ وَقَسَا لِدَاتِي
يُقَالُ: قَسَا وَعَسَا وَعَتَا بِمَعْنَى وَاحِدٍ، وَذَلِكَ إِذَا جَفَا وَغَلُظَ وَصَلُبَ، يُقَالُ مِنْهُ: قَسَا قَلْبُهُ يَقْسُو قَسْوًا وَقَسْوَةً وَقَسَاوَةً وَقَسَاءً
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: {مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ} مِنْ بَعْدِ أَنْ أَحْيَا الْمَقْتُولَ لَهُمُ الَّذِي ادَّارَءُوا فِي قَتْلِهِ. فَأَخْبَرَهُمْ بِقَاتِلِهِ وَمَا السَّبَبُ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ قَتَلَهُ كَمَا قَدْ وَصَفْنَا قَبْلُ عَلَى مَا جَاءَتِ الْآثَارُ وَالْأَخْبَارُ وَفَصَلَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ بِخَبَرِهِ بَيْنَ الْمُحِقِّ مِنْهُمْ وَالْمُبْطِلِ. وَكَانَتْ قَسَاوَةُ قُلُوبِهِمُ الَّتِي وَصَفَهُمُ اللَّهُ بِهَا أَنَّهُمْ فِيمَا بَلَغَنَا أَنْكَرُوا أَنْ يَكُونُوا هُمْ قَتَلُوا الْقَتِيلَ الَّذِي أَحْيَاهُ اللَّهُ، فَأَخْبَرَ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا قَتَلْتَهُ بَعْدَ إِخْبَارِهِ إِيَّاهُمْ بِذَلِكَ، وَبَعْدَ مَيْتَتِهِ الثَّانِيَةِ.