وَإِنَّمَا مَعْنَى الْكَلَامِ أَنَّهُ يَقُولُ: إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ بَلْ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَوَانٌ إِلَّا مُبْتَدَأً، لِأَنَّ قَوْلَهُ: {بَيْنَ ذَلِكَ} كِنَايَةٌ عَنِ الْفَارِضِ وَالْبِكْرِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُتَقَدِّمًا عَلَيْهِمَا.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {بَيْنَ ذَلِكَ}
يَعْنِي بِقَوْلِهِ: {بَيْنَ ذَلِكَ} بَيْنَ الْبِكْرِ وَالْهَرِمَةِ
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: قَدْ عَلِمْتَ أَنَّ بَيْنَ لَا تَصْلُحُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ مَعَ شَيْئَيْنِ فَصَاعِدًا، فَكَيْفَ قِيلَ بَيْنَ ذَلِكَ وَذَلِكَ وَاحِدٌ فِي اللَّفْظِ؟
قِيلَ: إِنَّمَا صَلَحَتْ مَعَ كَوْنِهَا وَاحِدَةً، لِأَنَّ ذَلِكَ بِمَعْنَى اثْنَيْنِ، وَالْعَرَبُ تَجْمَعُ فِي ذَلِكَ وَذَاكَ شَيْئَيْنِ وَمَعْنَيَيْنِ مِنَ الْأَفْعَالِ، كَمَا يَقُولُ الْقَائِلُ: أَظُنُّ أَخَاكَ قَائِمًا، وَكَانَ عَمْرٌو أَبَاكَ، ثُمَّ يَقُولُ: قَدْ كَانَ ذَاكَ، وَأَظُنُّ ذَلِكَ. فَيَجْمَعُ بِذَلِكَ وَذَاكَ الِاسْمَ وَالْخَبَرَ الَّذِي كَانَ لَا بُدَّ لِظَنَّ وَكَانَ مِنْهُمَا. فَمَعْنَى الْكَلَامِ: قَالَ: إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّمَا بَقَرَةٌ لَا مُسِنَّةٌ هَرِمَةٌ وَلَا صَغِيرَةٌ لَمْ تَلِدْ، وَلَكِنَّهَا بَقَرَةٌ نِصْفٌ قَدْ وَلَدَتْ بَطْنًا بَعْدَ بَطْنٍ بَيْنَ الْهَرَمِ وَالشَّبَابِ. فَجَمَعَ ذَلِكَ مَعْنَى الْهَرَمِ وَالشَّبَابِ لِمَا وَصَفْنَا، وَلَوْ كَانَ مَكَانَ الْفَارِضِ وَالْبِكْرِ اسْمَا شَخْصَيْنِ لَمْ يُجْمَعْ مَعَ بَيْنَ ذَلِكَ، وَذَلِكَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يُؤَدِّي عَنِ اسْمِ شَخْصَيْنِ، وَغَيْرُ جَائِزٍ لِمَنْ قَالَ: كُنْتُ بَيْنَ زَيْدٍ وَعَمْرٍو، أَنْ يَقُولَ: كُنْتُ بَيْنَ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ مَعَ أَسْمَاءِ الْأَفْعَالِ دُونَ أَسْمَاءِ الْأَشْخَاصِ
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ}