وقوله تعالى: فَادَّارَأْتُمْ فِيها بيان لما حصل منهم بعد قتل النفس التي ذكرنا قصتها ومعنى ادارأتم فيها: اختلفتم وتخاصمتم في شأنها لأن المتخاصمين يدرأ بعضهم بعضا أي يدفعه ويزحمه، أي تدافعتم بمعنى طرح قتلها بعضكم على بعض فدفع المطروح عليه الطارح، ليدفع الجناية عن نفسه ويتهم غيره.
وقوله تعالى: وَاللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ معناه: والله - تعالى - مظهر ومعلن ما كنتم تسترونه من أمر القتيل الذي قتلتموه، ثم تنازعتم في شأن قاتله، وذلك ليتبين القاتل الحقيقي بدون أن يظلم غيره.
وهذه الجملة الكريمة وَاللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ معترضة بين قوله تعالى فَادَّارَأْتُمْ وبين قوله تعالى: فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها
.وفائدته إشعار المخاطبين قبل أن يسمعوا ما أمروا بفعله، بأن القاتل الحقيقي سينكشف أمره لا محالة.
قال صاحب تفسير التحرير والتنوير: «وإنما تعلقت إرادة الله بكشف حال من قتل هذا القتيل - مع أنه، ليس أول قتيل طل دمه في الأمم - إكراما لموسى - عليه السلام - أن يضيع دم في قومه وهو بين أظهرهم، وبمرأى ومسمع منه، لا سيما وقد قصد القاتلون استغفاله ودبروا المكيدة في إظهار المطالبة بدمه، فلو لم يظهر الله - تعالى - هذا الدم ويبين سافكه - لضعف يقين القوم برسولهم موسى - عليه السلام - ولكان ذلك مما يزيد شكهم في صدقه فينقلبوا كافرين، فكان إظهار القاتل الحقيقي إكراما من الله تعالى - لموسى، ورحمة بالقوم لئلا يضلوا» .
وقوله تعالى: فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها
إرشاد لهم إلى الوسيلة التي عن طريقها سيهتدون إلى القاتل الحقيقي، والضمير في قوله اضْرِبُوهُ
يعود على النفس، وتذكيره مراعى فيه معناها هو الشخص أو القتيل.
وضرب القتيل ببعضها - أيا كان ذلك البعض - دليل على كمال قدرة الله تعالى. وفيه تيسير عليهم. واسم الإشارة في قوله تعالى: كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى
مشار به إلى محذوف دل عليه سياق الكلام.
والتقدير: فقلنا لقوم موسى الذين تنازعوا في شأن القتيل اضربوه ببعض البقرة ليحيا، فضربوه فأحياه الله، وأخبر القتيل عن قاتله، وكمثل إحيائه يحيى الله الموتى في الآخرة للثواب والعقاب.