والوجه الآخر أن الله سبحانه لا يقبل شكر العبد على إحسانه إليه إذ كان العبد لا يشكر إحسان الناس إليه ويكفر معروفهم؛ لاتصال أحد الأمرين بالآخر.
الرابعة: فِي عبارات العلماء فِي معنى الشكر؛ فقال سَهْل ابن عبد اللَّه: الشكر: الاجتهاد فِي بذل الطاعة مع الاجتناب للمعصية فِي السر والعلانية.
وقالت فرقة أخرى: الشكر هو الاعتراف فِي تقصير الشكر للمنعم؛ ولذلك قال تعالى: {اعملوا آلَ دَاوُودَ شُكْراً} [سبأ: 13] .
فقال داود: كيف أشكرك يا رب، والشكر نعمة منك! قال: الآن قد عرفتني وشكرتني؛ إذ قد عرفت أن الشكر مني نعمة.
قال: يا ربّ فأرني أخْفى نعمك عليّ.
قال: يا داود تنفّس؛ فتنفّس داود.
فقال الله تعالى: مَن يُحصي هذه النعمة الليلَ والنهارَ.
وقال موسى عليه السلام: كيف أشكرك وأصغر نعمة وضعتها بيدي من نعمك لا يجازي بها عملي كله! فأوحى الله إليه: يا موسى الآن شكرتني.
وقال الجُنَيْد: حقيقة الشكر العجز عن الشكر.
وعنه قال: كنت بين يدي السَّرِيّ السَّقَطِيّ ألعب وأنا ابن سبع سنين وبين يديه جماعة يتكلمون فِي الشكر، فقال لي: يا غلام ما الشكر؟ فقلت: ألا يُعْصَى الله بنعمه.
فقال لي: أخشى أن يكون حظك من الله لسانك.
قال الجنيد: فلا أزال أبكي على هذه الكلمة التي قالها السِريّ لي.
وقال الشبليّ: الشكر: التواضع والمحافظة على الحسنات، ومخالفة الشهوات وبذل الطاعات، ومراقبة جبّار الأرض والسماوات.
وقال ذو النُّون المصريّ أبو الفَيْض: الشكر لمن فوقك بالطاعة، ولنظيرك بالمكافأة، ولمن دونك بالإحسان والإفضال. انتهى انتهى. {تفسير القرطبي حـ 1 صـ 397 - 398}