الثانية، فقال ذو اليدين: يا رسول الله، أقصرت الصلاة أم نسيت؟ فقال ما كان ذاك. فقال: بلى يا رسول الله. فالتفت إلى أصحابه، فقال: ما يقول ذو اليدين؟ فقالوا: صدق يا رسول الله. فنهض فأتمّ، ثم قال: إني لأنسى أو أنسّى لأستنّ.
وهذه تسمية من كان بينه وبين الملائكة سبب من اليمانية.
منهم سعد بن معاذ الأنصاريّ، وهبط لموته سبعون ألف ملك لم يهبطوا إلى الأرض قبلها، وقبض رسول الله صلى الله عليه وسلم من رجليه في المشي لئلا يطأ على جناح ملك، واهتز لموته عرش الله جل وعز. وفي ذلك يقول حسان:
وما اهتزّ عرش الله [1] من موت هالك ... سمعنا به إلا لسعد أبي عمرو
وكبّر عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم تسعا، كما كبر على حمزة بن عبد المطلب، وشمّ من تراب قبره رائحة المسك. ومنهم حسان بن ثابت الأنصاريّ، قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: اهجهم وروح القدس معك! وقال في حديث اخر: إن الله مؤيّد حسّانا بروح القدس، ما نافخ [2] عن نبيّه، وقالت عائشة: كان يوضع لحسان منبر في مؤخر المسجد فينافح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومنهم حنظلة بن أبي عامر الأنصاري غسلته الملائكة، وذاك أنه خرج يوم أحد فأصيب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: صاحبكم هذا قد غسلته الملائكة. فسئل عن ذلك، فقالت امرأته: كان معي علي ما يكون الرجل مع امرأته. فأعجلته حطمة [3] بلغته في المسلمين، فخرج، فأصيب. ففي ذلك يقول الأحوص بن محمد بن عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح حميّ الدبر [4] ، وكان خال أبيه:
غسلت خالي الملائكة الأب ... رار ميتا أكرم به من صريع
(1) إن عرش الله جل وعلا، لا يهتز لموت بشر وفي البيت مبالغة مذمومة.
(2) ما نافح: دافع والمنافحة المدافعة وهنا يريد بمنافحته هجاء المشركين ومجابهتهم على أشعارهم.
(3) حطمة بلغته: إزدحام المشركين على المسلمين والتفافهم بهم حتى كادت الهزيمة تقع على المسلمين.
(4) الدبر: بسكون الباء النحل أو الزنانير.