للموت عندي أياد لست أنكرها ... أحيا سرورا وبي مما أتى ألم
وهذه المرثية ليست مما تقع مع الجزع القراح [1] والحزن المفرد، ولكنه باب للمراثي يجمع إفراط الجزع وحسن الاقتصاد، والميل إلى التشكي والركون إلى التعزّي، وقول من كان له واعظ من نفسه أو مذكّر من ربه ومن غلبت عليه الجساوة [2] ، وكان طبعه إلى القساوة فقد اختلط كلّ بكلّ. وقال رجل من المحدثين يرثي أخاه:
تجلّ رزيّات وتعرو مصايب ... ولا مثل ما أنحت علينا يد الدهر
لقد عركتنا للزمان ملمّة ... أذمّت [3] بمحمود الجلادة والصبر
فهذا يحسن من قائله، أن الرزء كان جليلا بإجماع، فللقائل أن يتفسّح في القول فيه. وهذا يقوله عبد العزيز بن عبد الرحيم بن جعفر بن سليمان بن عليّ بن عبد الله بن عباس، وكان عبد الرحيم من جلّة أهله لسنا ونعمة وسنّا وولاية، ومات معزولا عن اليمن في حبس الخليفة. وأمّ جعفر بن سليمان أمّ حسن بنت جعفر بن حسن بن عليّ بن أبي طالب صلوات الله عليهم، فلذلك يقول عبد العزيز في هذه القصيدة:
بموتك يا عبد الرحيم بن جعفر ... تفاحش صدع الدين عن الأم الكسر
فيا ابن النبيّ المصطفى وابن بنته ... ويا ابن عليّ والفواطم والحبر
ويا ابن اختيار الله من ال ادم ... أبا فإبا طهرا يؤدّي إلى طهر
ويا ابن سليمان الذي كان ملجأ ... لمن ضاقت الدنيا به من بني فهر
ومن ملأ الدنيا سماحا ونائلا ... وروّى حجيجا بالملمعة [4] القفر
لعزّ بما قد نالنا من رزيئة ... بموتك محبوسا على صاحب القبر
(1) القراح: الخالص.
(2) الجساوة: اسم من قوله جسا جسوا: إذا صلب.
(3) أذمت: أعيت وأقعدت من كان ذا صبر وتجلد.
(4) الملمعة: بكسر الميم الفلاة يلمع فيها السراب.