عليه برّا وفضلا وركما وعقلا ومجدا ونبلا، وإن كان في المال قلّ، فإنما المال ظلّ زائل، وعارية مسترجعة، وله في خديجة بنت خويلد رغبة، ولها فيه مثل ذلك، وما أحببتم من الصداق فعليّ. وهذه الخطبة من أقصد خطب الجاهلية. ومن جميل محاورات العرب ما روي لنا عن يحيى بن محمد بن عروة عن أبيه عن جده، قال: أقحمت السنة علينا النابغة الجعديّ فلم يشعر به ابن الزبير حين صلى الفجر حتى مثل بين يديه، يقول:
حكيت لنا الصدّيق حين وليتنا ... وعثمان والفاروق فارتاح معدم
وسوّيت بين الناس في العدل فاستووا ... فعاد صباحا حالك الليل [1] مظلم
أتاك أبو ليلى [2] يشقّ به الدجى ... دجى الليل جوّاب الفلاة عثمثم
لترفع منه جانبا ذعذعت به ... صروف الليالي والزمان المصمّ؟
فقال له ابن الزبير: هوّن عليك أبا ليلى، فأيسر وسائلك عندنا الشعر، أما صفوة أموالنا فلبني أسد، وأما عقوتها فلال الصدّيق، ولك في بيت المال حقّان، حقّ لعصبتك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحق بحقك في المسلمين، ثم أمر له بسبع قلائص وراحلة رحيل. ثم أمر بأن توفر له حبّا وتمرا، فجعل أبو ليلى يأخذ التمر فيستجمع به الحب فيأكله، فقال له ابن الزبير: لشدّ ما بلغ منك الجهد يا أبا ليلى، فقال النابغة: أما على ذاك لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
ما استرحمت قريش فرحمت وسئلت فأعطت، وحدّثت فصدقت ووعدت فأنجزت، فأنا والنبيون على الحوض فرّاط لقادمين، قوله: إقحمت السنة يكون على وجهين، يقال: اقتحم إذا دخل قاصدا. وأكثر ما يقال من غير أن يدخل ويكون من القحمة، وهي السنة الشديدة، وهو أشبه الوجهين، والاخر حسن والسنة الجدب، يقال أصابتهم سنة، أي جدب. ومن ذا قوله جل وعز:
{وَلَقَدْ أَخَذْنََا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ} [3] أي بالجدب. وقوله: صفوة، فهي في
(1) حالك الليل: شديد السواد وهو السيد الجامع لكل خير.
(2) أبو ليلى: كنية للنابغة.
(3) سورة الأعراف: الاية 130.