ثم جال الناس جولة عند حملة حملها عليهم الخوارج، فالتفت عند ذلك المهلّب إلى المغيرة، فقال: ما فعل الأمين الذي كان معك؟ قال: قتل. وكان الثقفيّ قد هرب، وقال ليزيد: ما فعل عبيد بن أبي ربيعة؟ قال: لم أره منذ كانت الجولة، فقال الأمين الاخر للمغيرة: أنت قتلت صاحبي. فلما كان العشيّ رجع الثقفي، فقال رجل من بني عامر بن صعصعة:
ما زلت يا ثقفيّ تخطب بيننا ... وتغمّنا بوصية الحجّاج
حتى إذا ما الموت أقبل زاخرا [1] ... وسما لنا صرفا بغير مزاج
ولّيت يا ثقفيّ غير مناظر ... تنساب بين أحزّة وفجاج
ليست مقارعة الكماة لدى الوغى ... شرب المدامة في إناء زجاج
قوله بين أحزّة هو جمع حزير، وهو متن ينقاد من الأرض ويغلط، والفجاج الطرق، واحدها فجّ. وقال المهلّب ليمين الاخر: ينبغي أن تتوجه مع ابني حبيب في ألف رجل حتى يبيّتوا عسكرهم. فقال: ما تريد أيها الأمير ألا أن تقتلني كما قتلت صاحبي. قال: ذاك إليك. وضحك المهلّب. ولم تكن للقوم خنادق فكان كلّ حذارا من صاحبه، غير أن الطعام والعدّة مع المهلّب، وهم في زهاء ثلاثين ألفا. فلما أصبح أشرف على واد، فإذا، هو برجل معه رمح مكسور، وقد خضبه بالدماء، وهو ينشد:
جزاني دوائي ذو الخمار وصنعتي ... إذا بات أطواء بنيّ الأصاغر
أخادعهم عنه ليغبق دونهم ... وأعلم غير الظنّ أني مغاور [2]
كأني وأبدان [3] السلام عشية ... يمرّ بنا في بطن فيحان [4] طائر
فدعاه المهلّب، فقال: أتميميّ أنت؟ قال: نعم! قال: أحنظليّ؟ قال:
(1) زاخرا: مادا مرتفعا مستعار من قولهم زخر البحر كمنع طما وعلا.
(2) مغاور مفاعلة في قولهم غاور فلان أعداء إذا كان يغير عليهم ويغيرون عليه.
(3) أبدان: جمع بدن بالتحريك وهو الدرع القصيرة.
(4) فيحان: موضع بديار بني سعد.