خرجوا من فارس. وتلقاهم في ذلك الوقت الفرز بن مهزم العبديّ فسألوه عن خبره، وأرادوا قتله فأقبل على قطري فقال: إني مؤمن مهاجر، فسأله عن أقاوليهم فأجاب إليها، فحلّوا عنه. ففي ذلك يقول في كلمة له:
وشدّوا وثاقي ثم ألجوا خصومتي [1] ... إلى قطريّ ذي الجبين المفلّق
وحاججتهم في دينهم وحججتهم ... وما دينهم غير الهوى والتخلق
ثم إنهم تراجعوا وتكانفوا (قال الأخفش: تكانفوا أعان بعضهم بعضا واجتمعوا وصار بعضهم في كنف بعض) وعادوا إلى ناحية ارّجان، فسار إليهم عمرو وكتب إلى مصعب: أما بعد، فإني قد لقيت الأزارقة فرزق الله عبيد الله بن عمرو الشهادة ووهب له السعادة، ورزقنا عليهم الظفر فتفرقوا شذر مذر، وبلغتني عنهم عودة فيمّمتهم، وبالله أستعين وعليه أتوكل. فسار عليهم ومعه عطية بن عمرو ومجّاعة بن سعيد، فالتقوا، فألحّ عليهم حتى أخرجهم.
وانفرد من أصحابه فعمد له أربعة عشر رجلا منهم من مذكوريهم وشجعانهم وفي يده عمود، فجعل لا يضرب رجلا منهم إلّا صرعه، فركص إليه قطريّ على فرس طمّر [2] وعمر على مهر فاستعلاه قطريّ بقوة فرسه حتى كاد يصرعه، فبصر به مجّاعة فأسرع إليه فصاحت الخوارج بقطريّ: يا أبا نعامة إن عدوّ الله قد رهقك [3] ، فاحط قطريّ عن قربوسه فطعنه مجّاعة، وعلى قطري درعان، فهتكهما، وأسرع السنان في رأس قطري فكشط عنه جلدة ونجا. وارتحل القوم إلى أصفهان فأقاموا برهة ثم رجعوا إلى الأهواز. وقد ارتحل عمر بن عبيد الله إلى اصطخر فأمر مجّاعة فجبى الخراج أسبوعا، فقال كم جبيت؟
قال تسعمائة ألف. فقال هي لك، فقال يزيد بن الحكم الثقفيّ لمجاعة:
ودعاك دعوة مرهق فأجبته ... عمر وقد نسي الحياة وضاعا
(1) الخصومة: الجدل والمنازعة.
(2) فرس طمر: بكسر الطاء والميم والراء المشددة وهو الجواد.
(3) رهقه: لحق به.