وقد تفرق أكثر الناس فغاداهم المهلب في ثلاثة الاف، وقال لأصحابه: ما بكم من قلّة؟ أيعجز أحدكم أن يرمي برمحه ثم يتقدم فيأخذه؟ ففعل ذلك رجل من كندة يقال له عيّاش. وقال المهلب لأصحابه: أعدّوا محالي فيها حجارة وارموا بها في وقت الغفلة فإنها تصدّ الفارس وتصرع الراجل. ففعلوا، ثم أمر مناديا ينادي في أصحابه يأمرهم بالجدّ والصبر ويطعمهم في العدوّ
ففعل حتى مر ببني العدويّة من بني مالك بن حنظلة فضربوه. فدعا المهلب بسيدهم وهو معاوية بن عمرو فجعل يركله برجله، وهذا معروف في الأزد، فقال: أصلح الله الأمير أعفني من أمّ كيسان والركبة تسميها الأزد أمّ كيسان، ثم حمل المهلب وحملوا فاقتتلوا قتالا شديدا فجهد الخوارج فنادى مناديهم:
ألا ان المهلب قد قتل، فركب المهلب برذونا قصيرا أشهب وأقبل يركض بين الصفين وإن إحدى يديه لفي القباء وما يشعر بها، وهو يصيح: أنا المهلب.
فسكن الناس بعد أن كانوا قد ارتاعوا وظنوا أن أميرهم قد قتل، وكلّ الناس مع العصر فصاح المهلب بابنه المغيرة تقدّم ففعل وصاح بذكوان مولاه قدّم رايتك ففعل فقال له رجل من ولده، وإنك تغرّر بنفسك فذمره [1] ثم صاح: يا بني تميم أامركم فتعصونني؟ فتقدم وتقدم الناس واجتلدوا أشدّ جلاد حتى إذا كان مع المساء قتل ابن المحاوز وانصرف الخوارج ولم يشعر المهلب بقتله فقال لأصحابه ابغوني رجلا جلدا يطوف في القتلى، فأشاروا عليه برجل من جرم، وقالوا إنا لم نر رجلا قط أشد منه. فطوّف ومعه النيران فجعل إذا مر بجريح من الخوارج، قال: أكافر وربّ الكعبة، فأجهز عليه. وإذا مر بجريح من المسلمين أمر بسقيه وحمله. وأقام المهلب في عسكره يأمرهم بالاحتراس حتى إذا كان نصف الليل وجّه رجلا من اليحمد) قال الأخفش: اليحمد من الأزد والخليل من بطن منهم يقال لهم الفراهيد، والفرهود في الأصل الحمل فإن نسبت إلى الحي قلت فراهيديّ وإن نسبت إلى الحملان قلت فرهوديّ لا غير) في عشرة فصاروا إلى عسكر الخوارج فإذا القوم قد تحملوا إلى أرّجان [2]
فرجع إلى المهلب فأعلمه فقال: أنا لهم الساعة أشدّ خوفا فاحذروا البيات:
قال أبو العباس: ويروى عن شعبة بن الحجاج أن المهلب قال لأصحابه يوما أن هؤلاء الخوارج قد يئيسوا من ناحيتكم الا من جهة البيات، فإن كان ذلك فاجعلوا شعاركم حم لا ينصرون [3] فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمر بها، ويروى أنه
(1) فذمره: فزجره وهدده.
(2) أرجان بتشديد الراء: بلد بفارس.
(3) حم لا ينصرون: معناه الخير لا الدعاء كأنه قال والله لا ينصرون أو معناه الدعاء وإن كان له