جعلها الله دارا لمن تزود منها إلى النعيم المقيم، والعيش السليم، فلن يرضى بها حازم دارا ولا حليم بها قرارا فاتقوا الله وتزودوا فإن خير الزاد التقوى والسلام على من اتبع الهدى. فورد كتابه عليهم، وفي القوم يومئذ أبو بيهس هيصم بن جابر الضبعيّ وعبد الله بن أباض المرّيّ من بني مرّة بن عبيد فأقبل أبو بيهس على ابن أباض فقال: إن نافعا غلا فكفر وإنك قصّرت فكفرت زعم أن من خالفنا ليس بمشرك، وإنما كفار النعم لتمسّكهم بالكتاب وإقرارهم بالرسول. وتزعم أن مناكحهم ومواريثهم والإقامة فيهم حلّ طلق وأنا أقول أعداءنا كأعداء رسول الله صلى الله عليه وسلم تحل لنا الإقامة فيهم كما فعل المسلمون في إقامتهم بمكة وأحكام المشركين تجري فيها وأزعم أن مناكحهم ومواريثهم تجوز لأنهم منافقون يظهرون الإسلام وأن حكمهم عند الله حكم المشركين.
فصاروا في هذا الوقت على ثلاثة أقاويل قول نافع في البراءة والاستعراض [1] واستحلال الأمانة، وقتل الأطفال. وقول أبي بيهس الذي ذكرناه، وقول عبد الله بن أباض وهو أقرب الأقاويل إلى السنّة من أقاويل الضلّال، والصفريّة والنجديّة في ذلك الوقت يقولون، بقول ابن أباض ما ذكرنا من مقالته، وأنا أقول إن عدونا كعدو رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكني لا أحرّم مناكحتهم ومواريثهم لأن معهم التوحيد والاقرار بالكتاب والرسول عليه السلام، فأرى معهم دعوة المسلمين تجمعهم وأراهم كفّارا للنعم. وقالت الصفرية ألين من هذا القول في أمر القعد حتى صار عامتهم قعدا واختلفوا فيهم، وقد ذكرنا ذلك، فقال قوم سمّوا صفريّة لأنهم أصحاب ابن صفّار وقال قوم: إنما سمّوا بصفرة علتهم، وتصديق ذلك قول ابن عاصم الليثيّ. وكان يرى رأي الخوارج وصار مرجئا [2] .
(1) الاستعراض: أي قتل الناس من غير الاهتمام بأحد.
(2) صار مرجئا: أي أصبح من المرجئة وهي فرقة من فرق الاسلام يعتقدون أنه لا يضر مع الايمان ذنب ولا معصية كما أنه لا ينفع مع الكفر طاعة وسموا مرجئة لاعتقادهم أن الله أرجأ تعذيبهم على المعاصي أي أخرّه.