وخاذلوه، ولئن كان قاتلوه مهتدين وإنهم لمهتدون لقد كفر من يتولاه وينصره ويعضده. ولقد علمت أن أباك وطلحة وعليّا كانوا أشد الناس عليه، وكانوا في أمره من بين قاتل وخاذل، وأنت تتولى أباك وطلحة وعثمان. وكيف ولاية قاتل متعمّد ومقتول في دين واحد! ولقد ملك عليّ بعد فنفى الشبهات، وأقام الحدود وأجرى الأحكام مجاريها، وأعطى الأمور حقائقها في ما عليه وله.
فبايعه أبوك وطلحة ثم خلعاه ظالمين له وإنّ القول فيك وفيهما لكما قال ابن عباس: إن يكن عليّ في وقت معصيتكم ومحاربتكم له كان مؤمنا أما لقد كفرتم بقتال المؤمنين وأئمة العدل، ولئن كان كافرا كما زعمتم وفي الحكم جائرا لقد بؤتم بغضب من الله لفراركم من الزحف. ولقد كنت له عدوّا ولسيرته عائبا فكيف تولّيته بعد موته فاتّق الله فإنه يقول: {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ} [1] وكتب نافع إلى من بالبصرة من المحكّمة: بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد، فإن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتنّ إلا وأنتم مسلمون، والله إنكم لتعلمون إن الشريعة واحدة، ففيم المقام بين أظهر الكفار، ترون الظلم ليلا ونهارا، وقد ندبكم الله إلى الجهاد فقال: وقاتلوا المشركين كافّة، ولم يجعل لكم في التخلّف عذرا في حال من الحال، فقال: انفروا خفافا وثقالا. وإنما عذر الضعفاء والمرضى والذين لا يجدون ما ينفقون! ومن كانت إقامته لعلّة. ثم فضّل عليهم مع ذلك المجاهدين فقال: {لََا يَسْتَوِي الْقََاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجََاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللََّهِ} [2] فلا تغتّروا ولا تطمئنوا إلى الدنيا فإنها غرّارة مكّارة لنّتها نافذة ونعمتها بائدة حفّت بالشهوات اغترارا، وأظهرت حبرة [3] وأضمرت عبرة، فليس اكل منها أكلة تسرّه ولا شارب شربة تؤنقه [4] إلّا دنا بها درجة إلى أجل.، وتباعد بها مسافة من أمله، وإنما
(1) سورة التوبة: الاية 23.
(2) سورة النساء: الاية 95.
(3) الحبرة: بالفتح الحسن وأثر النعمة.
(4) تؤنقه: أي تعجبه وتسره.