يا لعنة الله والأقوام كلّهم ... والصالحين على سمعان من جار
فيا لغير اللعنة [1] كأنه قال: يا قوم لعنة الله والأقوام كلّهم. وزعم سيبويه أن هذه اللام التي للإستغاثة دليل بمنزلة الألف التي تبيّن بالهاء في الوقف. إذا أردت أن تسمع بعيدا، فإنما هي للإستغاثة بمنزلة هذه اللام وذلك قولك يا قوماه على غير الندبة، ولكن للإستغاثة ومدّ الصوت. والقول كما قال: محلّهما عند العرب محلّ واحد، فإن وصلت حذفت الهاء لأنها زيدت في الوقف لخفاء الألف، كما تراد لبيان الحركة. فإذا وصلت أغنى ما بعدها عنها، تقول: يا قوما تعالوا ويا زيد ألا تفعل. ولا يجوز أن تقول: يا لزيد وهو مقبل عليك.
وكذلك لا يجوز أن تقول: يا زيداه وهو معك، إنما يقال ذلك للبعيد أو ينبّه به النائم. فأن قلت: يا لزيد ولعمرو، كسرت اللام في عمرو وهو مدعوّ لأنك إنما فتحت اللام في زيد لتفصل بين المدعوّ والمدعوّ إليه. فلما عطفت عليه شيئا صار في مثل حاله، ونظير ذلك الحكاية. يقول الرجل: رأيت زيدا فتقول: من زيدا؟ وإنما حكيت قوله ليعلم أنك إنما تستفهمه عن الذي ذكر بعينه ولا تسأله عن زيد غيره. والموضع موضع رفع لأنه ابتداء وخبر، فإن قلت ومن زيد؟ أو فمن زيد؟ لم يكن إلا رفعا، لأنك عطفت على كلامه فاستغنيت عن الحكاية لأن العطف لا يكون مستأنفا. ونظير هذا الذي ذكرت لك في اللام قول الشاعر:
يبكيك ناء بعيد الدار مغترب ... يا للكهول وللشّبّان للعجب
فقد أحكمت لك كلّ ما في هذا الباب. ثم نعود إلى ذكر الخوارج، قال: وذكر لعبيد الله بن زياد رجل من بني سدوس يقال له خالد بن عبّاد أو ابن عبادة، وكان من نسّاكهم، فوجّه إليه فأخذه. فأتاه رجل من ال ثور فكذب عنه وقال: هو صهري وهو في ضمني فخلّى عنه. فلم يزل الرجل يتفقّده حتى
(1) فيا لغير اللعنة: يريد أن حرف النداء ليس داخلا على ما بعده وإنما هو المحذوف.