أحبّ بقاء أو أرجّي سلامة ... وقد قتلوا زيد بن حصن ومالكا
فيا ربّ سلّم نيّتي وبصيرتي ... وهب لي التقى حتى ألاقي أولئكا
قوله: وقد قتلوا ولم يذكر أحدا [1] ، فإنما فعل ذلك لعلم الناس أنه يعني مخالفيه وإنما يحتاج الضمير إلى ذكر قبله ليعرف. فلو قال رجل: ضربته، لم يجز، لأنه لم يذكر أحدا قبل ذكره الهاء. ولو رأيت قوما يلتمسون الهلال فقال قوم: هذا هو، لم يحتج إلى تقدمة الذكر لأن المطلوب معلوم، وعلى هذا قال علقمة بن عبدة في إفتتاح قصيدته:
هل ما علمت وما استودعت مكتوم ... أم حبلها إذا نأتك اليوم مصروم
لأنه قد علم أنه يريد حبيبة له. وقوله: حيث ألاقي ولم يحرك الياء فقد مضى شرحه مستقصى. ويروى أن رجلا من أصحاب ابن زياد قال: خرجنا في جيش نريد خراسان، فمررنا باسك فإذا نحن بهم ستة وثلاثين رجلا، فصاح بنا أبو بلال: أقاصدون لقتالنا أنتم؟ وكنت أنا وأخي قد دخلنا زربا [2] ، فوقف أخي ببابه فقال: السلام عليكم. فقال مرداس: وعليكم السلام. فقال لأخي: أجئتم لقتالنا؟ فقال له: لا، إنما نريد خراسان، قال: فأبلغوا من لقيكم أنا لم نخرج لنفسد في الأرض ولا لنروّع أحدا ولكن هربا من الظلم، ولسنا نقاتل إلا من يقاتلنا ولا نأخذ من الفيء إلا أعطياتنا. ثم قال: أندب إلينا أحد؟
قلنا: نعم، أسلم بن زرعة الكلابي، قال: فمتى ترونه يصل إلينا؟ قلنا يوم كذا وكذا فقال أبو بلال: حسبنا الله ونعم الوكيل! وجهز عبيد الله أسلم بن زرعة في أسرع وقت ووجهه إليهم في ألفين، وقد تتامّ أصحاب مرداس أربعين رجلا، فلما صار إليهم أسلم صاح به أبو بلال: اتّق الله يا أسلم فإنا لا نريد قتالا ولا نحتجن فيئا، فما الذي تريد؟ قال: أريد أن أردكم إلى بن زياد، قال مرداس: إذا يقتلنا، قال: وإن قتلكم، قال، تشركه في دمائنا، قال: إني أدين
(1) ولم يذكر أحدا: يريد أن الضمير المرفوع في الفعل لم يتقدم له مرجع فيعود إليه.
(2) الزرب: جمع زريبة، مكان يا بنى للغنم.