ويروى أن مرداسا مرّ بأعرابي يهنأ بعيرا [7] له فهرج البعير [1] فسقط مرداس مغشيا عليه، فظن الاعرابي أنه قد صرع فقرأ في أذنه. فلما أفاق قال له الاعرابي:
قرأت في أذنك. فقال له مرداس: ليس بي ما خفته عليّ ولكني رأيت بعيرك هرج [2] من القطران فذكرت به قطران جهنم فأصابني ما رأيت. فقال: لا جرم والله لا فارقتك أبدا. وكان مرداس قد شهد صفّين مع عليّ بن أبي طالب صلوات الله عليه، وأنكر التحكيم وشهد النهر ونجا فيمن نجا، فلما خرج من حبس ابن زياد ورأى جد ابن زياد في طلب الشراة عزم على الخروج. فقال لأصحابه: إنه والله ما يسعنا المقام بين هؤلاء الظالمين، تجري علينا أحكامهم مجانبين للعدل مفارقين للفصل. والله إن الصبر على هذا لعظيم، وإن تجريد السيف وإخافة السبيل لعظيم ولكنّا ننتبذ عنهم ولا نجرّد سيفا ولا نقاتل إلّا من قاتلنا. فاجتمع إليه أصحابه زهاء ثلاثين رجلا منهم حريث بن حجل وكهمس بن طلق الصريميّ، فأرادوا أن يولوا أمرهم حريثا فأبى فولّوا أمرهم مرداسا. فلما مضى بأصحابه لقيه عبد الله بن رباح الأنصارييّ. وكان له صديقا، فقا له: أين تريد؟ قال: أريد أن أهرب بديني وأديان أصحابي من أحكام هؤلاء الجورة. فقال له: أعلم بكم أحد؟ قال: لا. قال فارجع. قال أو تخاف عليّ مكروها؟ قال نعم وأن يؤتي بك، قال فلا تخف فإني لا أجرّد سيفا ولا أخيف أحدا ولا أقاتل إلّا من قاتلني. ثم مضى حتى نزل اسك وهو ما بين رامهرمز وأرّجان فمر به مال يحمل لابن زياد وقد قارب أصحابه الأربعين، فحطّ ذلك المال فأخذ منه عطاءه وأعطيات أصحابه وردّ الباقي على الرسل، وقال: قولوا لصاحبكم إنما قبضنا أعطياتنا فقال بعض أصحابه فعلام ندع الباقي فقال: إنهم يقسمون، هذا ألفي، كما يقيمون الصلاة فلا نقاتلهم.
ولأبي بلال أشعار في الخروج اخترت منها قوله:
أبعد ابن وهب ذي النزاهة والتقى ... ومن خاض في تلك الحروب المهالكا
(1) هرج: تحير من شدة الحر وثقل الحمل.
(2) النزاهة: البعد عن النقائص والتجافي عن المعاصي.