قلت: هذه أعلام القوم، قال: فمن تحتها؟ قلت: عبد الله بن علي بن
عبد الله بن العباس. قال: وأيهم عبد الله. فقلت: الفتى المعروق [1] الطويل الخفيف العارضين الذي رأيته في وليمة كذا يأكل فيجيد فسألتني عنه فنسبته لك فقلت: إن هذا الفتى لتلقّامة [2] . قال: قد عرفته، والله ووددت أن عليّ بن أبي طالب مكانه، قال: فقال لي المنصور: الله، لسمعت هذا من مروان بن محمد؟ قلت: والله لقد سمعته منه. قال: يا غلام هات الغداء. قال أبو العباس: وكان أهل النخيلة جماعة بعد أهل النهروان ممن فارق عبد الله بن وهب، وممن لجأ إلى راية أبي أيوب وممن كان أقام بالكوفة، فقال: لا أقاتل عليا ولا أقاتل معه. فتواصوا في ما بينهم وتعاضدوا وتأسفوا على خذلانهم أصحابهم. فقام منهم قائم يقال له المستورد من بني سعد بن زيد مناة فحمد الله وأثنى عليه وصلى على محمد، ثم قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتانا بالعدل تخفق رآياته معلنا مقالته، مبلّغا عن ربه، ناصحا لأمته حتى قبضه الله مخيّرا مختارا. ثم قام الصدّيق فصدق عن نبيّه وقاتل من ارتدّ عن دين ربه، وذكر أن الله عز وجل قرن الصلاة بالزكاة فرأى أن تعطيل إحداهما طعن على الاخرى، لا بل على جميع منازل الدين ثم قبضه الله إليه موفورا. ثم قام الفاروق ففرق بين الحق والباطل مسوّيا بين الناس في إعطائه لا مؤثرا لاقاربه ولا محكّمأ في دين ربه. وها أنتم تعلمون ما حدث، والله يقول: {وَفَضَّلَ اللََّهُ الْمُجََاهِدِينَ عَلَى الْقََاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا} [3] . فكل أجاب وبايع فوجه إليهم عليّ بن أبي طالب عبد الله بن العباس داعيا، فأبوا فسار إليهم، فقال له عفيف بن قيس:
يا أمير المؤمنين لا تخرج في هذه الساعة فإنها ساعة نحس لعدوّك عليك.
فقال له عليّ: توكلت على الله وحده وعصيت رأي كل متكهّن. أنت تزعم أنك تعرف وقت الظفر من وقت الخذلان، إني توكلت على الله ربي وربكم،
(1) المعروق: قليل اللحم.
(2) إن هذا الفتى لتلقامة: عظيم اللقم.
(3) سورة النساء: الاية 95.