هوذا. ثم صاح به إليّ أبو من؟ قال، أبو الوليد. قال: يا أبا الوليد إن بشّرتك ببشارة تسرّك ما تجعل لي؟ قال: وما مقدارها من السرور حتى نعلم مقدارها من الجعل؟ أن تملك الأرض، قال: مالي من مال ولكن أرأيتك إن تكلّفت لك جعلا أأنال ذلك قبل وقته؟ قال: لا، قال: فان حرمتك أتؤخره عن وقته؟
قال: لا، قال: فحسبك ما سمعت. فذكروا أن معاوية كان يكرم عبد الملك ليجعلها يدا عنده يجازيه بها في مخلّفيه في وقته. وكان عبد الملك من أكثر الناس علما وأبرعهم أدبا وأحسنهم في شبيبته ديانة، فقتل عمرو بن سعيد وتسمّى بالخلافة، فسلّم عليه بها أول تسليمة والمصحف في حجره فأطبقه.
وقال: هذا فراق بيني وبينك.
قال أبو العباس: وحدثنى ابن عائشة عن حمّاد بن سلمة في إسناد ذكره أن عبد الملك كان له صديق، وكان من اهل الكتاب بقال له يوسف، فأسلم، فقال له عبد الملك يوما، وهو في عنفوان نسكه. وقد مضت جيوش يزيد بن معاوية مع مسلم بن عقبة المرّيّ، من مرّة غطفان، يريد المدينة: ألا ترى خيل عدوّ الله قاصدة لحرم رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال له يوسف: جيشك والله إلى حرم رسول الله أعظم من جيشه، فنفض عبد الملك ثوبه، ثم قال:
معاذ الله! قال له يوسف: ما قلت شاكّا ولا مرتابا وإني لأجدك بجميع أوصافك. قال له عبد الملك. ثم ماذا؟ قال: ثم يتداولها رهطك، قال: إلى متى؟ قال: إلى أن تخرج الرايات السود من خراسان.
قال: وحدّثت عن ابن جعدبة قال: كنت عند أمير المؤمنين المنصور في اليوم الذي أتاه فيه خروج محمد بن عبد الله بن حسن بن حسن قال: فغمّه ذلك حتى امتنع من الغداء في وقته وطال عليه فكره. فقلت: يا أمير المؤمنين أحدّثك حديثا: كنت مع مروان بن محمد وقد قصده عبد الله بن علي فإنّا لكذلك إذا نظر إلى الاعلام السود من بعد فقال: ما هذه البخت المجلّلة؟
قلت: هذه أعلام القوم، قال: فمن تحتها؟ قلت: عبد الله بن علي بن
عبد الله بن العباس. قال: وأيهم عبد الله. فقلت: الفتى المعروق (1) الطويل الخفيف العارضين الذي رأيته في وليمة كذا يأكل فيجيد فسألتني عنه فنسبته لك فقلت: إن هذا الفتى لتلقّامة (2) . قال: قد عرفته، والله ووددت أن عليّ بن أبي طالب مكانه، قال: فقال لي المنصور: الله، لسمعت هذا من مروان بن محمد؟ قلت: والله لقد سمعته منه. قال: يا غلام هات الغداء. قال أبو العباس: وكان أهل النخيلة جماعة بعد أهل النهروان ممن فارق عبد الله بن وهب، وممن لجأ إلى راية أبي أيوب وممن كان أقام بالكوفة، فقال: لا أقاتل عليا ولا أقاتل معه. فتواصوا في ما بينهم وتعاضدوا وتأسفوا على خذلانهم أصحابهم. فقام منهم قائم يقال له المستورد من بني سعد بن زيد مناة فحمد الله وأثنى عليه وصلى على محمد، ثم قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتانا بالعدل تخفق رآياته معلنا مقالته، مبلّغا عن ربه، ناصحا لأمته حتى قبضه الله مخيّرا مختارا. ثم قام الصدّيق فصدق عن نبيّه وقاتل من ارتدّ عن دين ربه، وذكر أن الله عز وجل قرن الصلاة بالزكاة فرأى أن تعطيل إحداهما طعن على الاخرى، لا بل على جميع منازل الدين ثم قبضه الله إليه موفورا. ثم قام الفاروق ففرق بين الحق والباطل مسوّيا بين الناس في إعطائه لا مؤثرا لاقاربه ولا محكّمأ في دين ربه. وها أنتم تعلمون ما حدث، والله يقول: {وَفَضَّلَ اللََّهُ الْمُجََاهِدِينَ عَلَى الْقََاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا} (3) . فكل أجاب وبايع فوجه إليهم عليّ بن أبي طالب عبد الله بن العباس داعيا، فأبوا فسار إليهم، فقال له عفيف بن قيس: