إليه مرداس فقال: قد سمعنا ما قلت أيها الإنسان وما هكذا ذكر الله عز وجل عن نبيه إبراهيم عليه السلام إذ يقول: {وَإِبْرََاهِيمَ الَّذِي وَفََّى أَلََّا تَزِرُ وََازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ََ} [1] . {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسََانِ إِلََّا مََا سَعى ََ، وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى ََ ثُمَّ يُجْزََاهُ الْجَزََاءَ الْأَوْفى ََ} [2] ، وأنت تزعم أنك تأخذ المطيع بالعاصي! ثم خرج في عقب هذا اليوم والشيع [3] تنتحله، وتزعم أنه كتب إلى الحسين بن علي صلوات الله عليه: أني لست أرى رأي الخوارج وما أنا إلا على دين أبيك.
وهذا رأي قد استهوى جماعة من الأشراف. يروى أن المنذر بن الجارود كان يرى رأي الخوارج وكان يزيد ابن أبي مسلم، مولى الحجّاج بن يوسف، يراه.
وكان صالح بن عبد الرحمن صاحب ديوان العراق يراه، وكان عدّة من الفقهاء ينسبون إليه منهم عكرمة مولى ابن عباس، وكان يقال ذلك في مالك بن أنس.
ويروي الزبيريّون أن مالك بن أنس المدينيّ كان يذكر عثمان وعليا وطلحة والزّبير فقول: والله ما اقتتلوا إلا على الثريد الأعفر. فأما أبو سعيد الحسن البصريّ فإنه كان ينكر الحكومة ولا يرى رأيهم، وكان إذا جلس فتمكن في مجلسه ذكر عثمان فترحّم عليه ثلاثا ولعن قتلته ثلاثا ويقول: لو لم نلعنهم للعنّا. ثم يذكر عليا فيقول: لم يزل أمير المؤمنين عليّ رحمة الله يتعرّفه النصر ويساعده الظفر حتى حكم فلم تحكّم والحق معك، ألا تمضي قدما [4] لا أبا لك [5] وأنت على الحق. قال أبو العباس: وهذه كلمة فيها جفاء، والعرب تستعملها المسئلة والطلب، فيقول القائل للأمير والخليفة: أنظر في أمر رعيتك لا أبا
(1) سورة الأنعام: الاية رقم 164.
(2) سورة النجم: الاية رقم 40.
(3) الشيع: جمع شيعة بالكسر وهي الفرقة من الناس وقد غلب هذا الاسم على كل من يزعم أنه يتولى عليا وأهل بيته رضي الله عنهم.
(4) الا تمضي قدما بضمتين: يريد الام تمضي فيها كنت فيه ولم تعرج على شيء. يقال مضى فلان قدما إذا لم يتحول عن وجهة سيره.
(5) لا أبا لك: جد في أمرك.