فإن تاب كما تبنا ونهض لمجاهدة عدوّنا رجعنا. فقال ابن عباس: نشدتكم الله ما صدقتم أنفسكم، أما علمتم أن الله أمر بتحكيم الرجال في أرنب تساوي ربع درهم تصاد في الحرم وفي شقاق رجل وامرأته؟ فقالوا: اللهم نعم. فقال: فأنشدكم الله هل علمتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمسك عن القتال للهدنة بينه وبين أهل الحديبية؟ قالوا: نعم ولكن عليا محا نفسه من إمارة المسلمين! قال ابن عباس: ليس ذلك بمزيلها عنه وقد محا رسول الله صلى الله عليه وسلم اسمه من النبوّة، وقد أخذ عليّ على الحكمين ألايجورا وان يجورا فعليّ أولى من معاوية وغيره. قالوا: إن معاوية يدّعي مثل دعوى عليّ. قال: فايّهما رأيتموه أولى فولّوه، قالوا: صدقت. قال ابن عباس: متى جار الحكمان فلا طاعة لهما ولا قبول لقولهما. قال فاتبعه منهم ألفان وبقي أربعة الاف فصلى بهم صلواتهم ابن الكوّاء وقال: متى كانت حرب فرئيسكم شبث ابن ربعيّ الرياحيّ، فلم يزالوا على ذلك يومين حتى أجمعوا على البيعة لعبد الله بن وهب الراسبيّ. قال: ومضى القوم إلى النهروان [1] وكانوا أرادوا المضيّ إلى المداين. قال الأخفش كذا كان يقول المبرد النهروان بكسر النون والراء وإنما هو النّهروان بالفتح وأنشد للطرمّاح:
قلّ في شطّ نهروان قاضي).
قال أبو العباس: فمن طريف أخبارهم أنهم أصابوا مسلما ونصرانيا فقتلوا المسلم وأوصوا بالنصراني، فقالوا: إحافظوا ذمّة نبيكم.
ولقيهم عبد الله بن خباب وفي عنقه مصحف ومعه امرأته وهي حامل:
فقالوا إن هذا الذي في عنقك ليأمرنا أن نقتلك. قال: ما أحيا القران فأحيوه وما أماته فأميتوه، فوثب رجل منهم على رطبة فوضعها في فيه، فصاحوا به، فلفظها تورّعا. وعرض لرجل منهم خنزير فضربه الرجل فقتله، فقالوا: هذا فساد في الأرض. فقال عبد الله بن خبّاب: ما عليّ منكم بأس إنّي لمسلم،
(1) النهروان: بفتح النون وتثليث الراء ثلاث قرى أعلى وأوسط وأسفل من بين واسط وبغداد.