الفرات ثم هزمهم إلى الأهواز، ثم أخرجهم عنها إلى فارس ثم أخرجهم إلى كرمان. وفي ذلك يقول شاعر منهم في هذه الحرب التي صاحبها صاحب الزنج بالبصرة يرثي البلد، يذكر المنقمة التي كانت لهم. (قال الأخفش، أنشدنيه يزيد المهلّبيّ لنفسه) :
سقى الله مصرا خفّ أهلوه [1] من مصر ... وما الذي يبقى على عقب الدهر
ولو كنت فيه إذ أبيح حريمه [2] ... لمتّ كريما أو صدرت على عذر
أبيح فلم أملك له غير عبرة ... تهيب بها أن حاردت لوعة الصدر
ونحن رددنا أهلها إذ ترحّلوا ... وقد نظمت خيل الأزارق بالجسر
ومن يخش أطراف المنايا [3] فإننا ... لبسنا لهنّ السابغات [4] من الصبر
فإنّ كريه الموت عذب مذاقه ... إذا ما مزجناه بطيب من الذكر
وما رزق الإنسان مثل منيّة ... أراحت من الدنيا ولم تخز في القبر
وفي هذا الشعر:
ليشكر بنو العباس نعمى تجدّدت ... فقد وعد الله المزيد على الشكر
لقد جنّبتكم أسرة حسدتكم ... فسلّت على الإسلام سيفا من الكفر
وقد نغّصتهم جولة بعد جولة ... يبيتون فيها المسلمين على ذعر
وقال عبد الله بن قيس الرقيّات:
ألا طرقت من أهل بيبة طارقه ... على أنها معشوقة الدلّ عاشقه
تبيت وأرض السّوس بيني وبينها ... وسولاف رستاق [5] حمته الأزارقه
(1) سقى الله مصرا خف أهلوه: أي ارتحلوا عنه.
(2) ابيح حريمه: أي حل ما كان منه ممنوعا عن الناس. يقول لو كنت بهذا البلد حين ما فعل هذا الفعل لأبليت بلاء حسنا فأما أن أموت موت الكرام وأما أن أبلغ العذر في نفسي.
(3) أطراف المنايا: قطع المنايا وحما علتها واحدها طرف بالتحريك ومنه قوله تعالى {لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ} .
(4) السابغات: من الصبر جننا ودروعا على طريق الاستعارة بالكناية والسابغة من السبوغ وهو التمام والشمول.
(5) الرستاق: بالضم. السواد والقرى: فارسية معربة.